أشرف جمعة (أبوظبي)

تظل مظاهر عيد الفطر السعيد، هي الدافع للسعادة والفرح والمشاركة بين الأهل والأقارب والجيران والأصدقاء، على الرغم من أن العيد في هذه الأيام يحل في ظروف مختلفة في ظل جائحة «كورونا المستجد» التي ألزمت الجميع تتبع طقوسه في نطاق الأسرة، ومن ثم تهنئة الأهل والأقارب والجيران عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لكن العيد من منظور إسلامي يرسخ للتسامح والتقارب الإنساني، وإظهار السعادة والفرح ولبس الجديد، وهو في منظور التاريخ واحة ظليلة يستعيد فيها المرء ذكريات الماضي على ضوء عاداته وتقاليده التي لن تختفي، لكن ستظل راسخة بين جدران البيوت بكل ما تحمل من عبق وجمال، تماشياً مع التغيرات الإنسانية في هذه الفترة من عمر الزمن.

حسن المرزوقي: «عيد» لفظ فيه دلالة على عودة الفرح
قال الدكتور حسن محمد المرزوقي أستاذ أصول الفقه: يعرف عيد الفطر بأنه اليوم الأول من شهر شوال، أي عقب الانتهاء من صيام شهر رمضان المبارك، وسمي العيد بالعيد، لأن اللفظ فيه العود والعودة والتكرار بمعنى سمي العيد عيداً، لأنه يعود كل سنة بفرح مجدد، ودل على مشروعية العيد أن النبي، صلى الله عليه وسلم، لما قدم المدينة، وكان لأهل المدينة يومان يلعبون فيهما، فقال، صلى الله عليه وسلم: «إن الله أبدلكم بهما خيراً منهما، «أي من هذين اليومين يوم الفطر ويوم النحر، ونفهم من قوله صلى الله عليه وسلم أن للصائم فرحتين، فرحة حين يفطر، وفرحة حين يلقى ربه، مبيناً أنه اتفق الفقهاء جميعهم وأجمعوا على حرمة الصيام يوم العيد، سواء عيد الفطر أو الأضحى، ولذلك لا يخرج المصلي، إلا وقد أكل شيئاً حتى لا يكون صائماً في عيد الفطر، خلافاً لعيد الأضحى، وكذلك اتفقوا على جواز الصيام في الثاني والثالث من أيام عيد الفطر، خلافاً لعيد الأضحى، لأن عيد الفطر وقته يوم واحد فقط، وبالتالي يستطيع أن يبدأ صيام ست شوال من ثاني أيام العيد، ويشرع للعيد صلاة تسمى صلاة العيد لقوله تعالى (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ)، سورة الكوثر: الآية 2»، ومن السنن تناول شيء من الطعام قبل الخروج لصلاة العيد أو أدائها في البيوت لمقتضى الضرورة الحالية.
ويبين أنه ويشرع للمسلم التكبير من ليله ودليله قوله تعالى: (... وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىَ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)، «سورة البقرة: الآية 185»، وعن مشروعية الزكاة وكيفية إيصالها إلى مستحقيها يوضح أنه فرض رسول الله، صلى الله عليه وسلم، زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين، وقد ذهب العلماء إلى جواز إخراج زكاة الفطر نقداً بالنظر إلى المصلحة وسد حاجة الفقير، ولا مانع من إرسال الشخص زكاة ماله و زكاة فطره إلى بلده وبقيمة البلد الذي صام فيه وليس بقيمة بلده الأصلي.

إبراهيم الجنابي: التسامح من قيم الإسلام
أوضح الدكتور إبراهيم الجنابي - واعظ وداعية إسلامي - أن التسامح من قيم الإسلام، وهو خلق عظيم، وهو أصل في دين الإسلام، وقد بني الإسلام على التسامح، فالنبي، صلى الله عليه وسلم، جاء بالحنفية السمحاء، وهذا التسامح له مظاهر كثيرة بخاصة في عيد الفطر السعيد، لأن أيامه فرح وسرور وبهجة، وشكر لله على تمام المنة والسعادة، لذا ينبغي على المسلم إظهار السرور والفرح ويرفه عن نفسه بالمباحات، ولهذا سمح النبي، صلى الله عليه وسلم، بإظهار الألعاب التي فيها تسلية للناس، فقد أذن باللعب بالحراب في العيد، وإنشاد الشعر وسماعة، وهذا من باب التسامح في الإسلام .
وعقد الإمام البخاري في صحيحه باباً قال فيه: إذا فاته العيد يصلي ركعتين، وكذلك النساء، ومن كان في البيوت والقرى لقول النبي، صلى الله عليه وسلم: «هذا عيدنا أهل الإسلام»، وقد سمح النبي باللهو المباح، وإظهار الفرح وإنشاد القصائد والأهازيج، ومن مظاهر السماحة أيضاً أنه في يوم العيد يجب التوسعة على الأهل بالإنفاق وتوفير الاحتياجات والرفاهية التي تشعرهم السعادة، ومن ثم الإحسان إلى الأيتام ورعايتهم والإهداء إليهم، والتعهد باحتياجاتهم حتى لا يدخل قلوبهم الغم في يوم العيد من ثم التوسعة في أيام العيد على الفقراء والمساكين بالصدقات والسؤال عن الجار وصلة الأرحام وزياراتهم، وفي هذا الظرف يكون ذلك كله عن طريق التهاتف لتهنئتهم بهذه المناسبة السعيدة.

عائشة بالخير: تقاليد العيد ستختلف
ترى مستشارة البحوث في الأرشيف الوطني الدكتورة عائشة بالخير أن العيد في الذاكرة الشعبية ارتبط بالتفاؤل والفرحة والتسامح، حيث جرت العادة أنه منذ ليلة النصف من شعبان يتصالح المتشاحنون، وإذ جاء عيد الفطر، وبقي الخصام بين بعض الناس، فإن أفراد المجتمع يسعون إلى عقد جلسات الصلح دليل على التسامح، فضلاً عن أنه من ضمن مظاهر العيد قديماً تجهيز أطعمة شعبية مشهور، مثل الهريس والثريد والخنفروش والخبيص «والعيش باللحم»، وأن المرأة كانت تتعلم مهارة الخياطة، وتعمل على حياكة ملابس الأسرة كاملة، فضلاً عن عادات متوارثة في عيد الفطر السعيد ارتبطت بالسنع كأن يذهب في الزمن القديم الصغير لتهنئة الكبير في العائلات الممتدة، ومن ثم بعد صلاة العصر يتم التزاور بين أبناء الفريج أما الآن، فنظراً للظروف الاحترازية، فإن تقاليد العيد ستختلف، ولكن ستبقى روح العيد في وجدان الصغير والكبير بحيث تكون المظاهر مقصورة على صلة الرحم بالتهاتف.

فاطمة الصايغ: عادات.. أيام المندوس
تشير الدكتور فاطمة الصايغ إلى أنه من مظاهر عيد الفطر قديماً أنه من لا يملك تفصيل ثوب للعيد كان في العادة يحتفظ بثوب العيد من أعياد سابقة في صندوق الملابس الذي يسمى المندوس، وإذ تغيّر لونه من جراء عوامل الزمن، فيلجأ الناس لصبغ الثياب قبل حلول العيد، وغالباً ما كانت النساء في الإمارات يستعددنّ منذ شهر شعبان عندما يرجع رجالهنّ حاملين معهم مؤونة شهر رمضان، وأيضاً يحضرون المواد الغذائيّة التي قد تستخدم للعيد، ويأتون بقطع القماش والعطور الخاصة.
وتذكر الصايغ أنه من بين العادات الأصيلة في الوقت نفسه بين أبناء الدولة أنّ العيد لا يأتي، وهناك متخاصمان أو من ذوي القربى إلاّ وتصالحا، وتتمّ المصافحة وتبادل التهنئة عقب صلاة العيد، ونجد صورة عيد الفطر السعيد في الإمارات قديماً من خلال اهتمام أبنائها بأداء صلاة العيد في المصليات التي تتمركز في الأماكن المفتوحة والساحات، وإثر الانتهاء من الصلاة يعودون إلى المنازل ويُهنئون الأهل، ويستعدون لاستقبال المهنئين، وغالباً ما تبدأ زيارة الأقارب والأرحام خاصة بعد الظهر إذا كانوا يقيمون بعيداً أو في أماكن أو مدن أخرى، لكنّ هناك طقوساً معينة تبدأ فيها الاستعدادات للعيد قبل وصوله، ويختلف الأمر في القرى عن المدن لكن في الوقت الحالي تتم المعايدات عبر الهاتف، ويكتفي بالصلاة في البيت.
وتبين أنه كان أبناء المجتمع في الماضي يقدمون الروبية أو الآنة والبيزة للأطفال في العيد، أو يمنحونهم أصابع الحلوى وكوب من اللبن، وكان الصبيان يطوفون في الفريج من أوله إلى لآخره لجمع العيدية من الأقارب، وكانت البنات يخرجن لتحصيل العيدية من أعمامهنّ وأخوالهنّ، وبعد عملية الجمع يهرولن إلى أماكن اللعب التي تُنصب في يوم العيد وتعلق فيها المريحانة، وتُباع الحلوى وتُنظم الألعاب الشعبية ليفرح بها الجميع في أيام عيد الفطر السعيد مع الأناشيد والأهازيج الشعبية التي يتم ترديدها من قبل الأطفال، وتلفت إلى أن مظاهر العيدية تغيرت، وأصبحت عبارة عن مبالغ مالية كبيرة نسبياً أو هدايا ثمينة.

كريمة الشوملي: حضور مميز للمرأة
تبين الأستاذ المساعد بجامعة الشارقة كريمة الشوملي - دكتوراه في البرقع الإماراتي - أن المرأة كانت تحرص قبل حضور مناسبة عيد الفطر السعيد على شراء الأقمشة ذات الألوان المبهجة الزاهية من الزري، وبخاصة الملابس الحريرية الهندية، بالإضافة إلى غطاء الرأس الذي فيه نوع من الخوص اللامع، ويسمى ندوة، مشيرة إلى أن الأسر الميسرة كانت تشتري قطعاً ذهبية للنساء والبنات، ومن ضمن المظاهر الأخرى لبس برقع جديد لامع، وهو من النوع الذي يلبس في المناسبات والأعياد، فضلاً عن مظاهر الحناء السائدة، حيث تتحنى المرأة ليلة العيد.

أنس قصار: هذه الآونة لها «حكم خاص»
ذكر الباحث الدكتور أنس قصار بالهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف أن صلاة العيد في هذه الآونة تؤدى في البيت مع الأبناء، من خلال تكبيرات وقراءة الفاتحة والسورة دون الخطبة وله الأجر والثواب، كخروجه إلى المسجد، ومن الآداب في هذا اليوم صلة الأرحام، لكن في هذه الآونة هناك حكم خاص، وهو عدم التجمع احترازياً ووقائياً ولأجل سلامة الجميع، فيكون ذلك عن طريق ووسائل التواصل، إذ يستطيع المرء أن يرى أهله من مسافات طويلة وأميال بعيدة، وما دام الهدف التواصل والمحافظة على صحة الجميع، فالأجر حاصل من جهتين، الأولى التواصل، والأخرى امتثال لولي الأمر بالاحتياط والاحتراز.