إبراهيم الملا

يتباهى بها الشعر، قبل أن تتباهى به، وتتسابق المعاني إلى حضن خيالها، قبل أن تبحث عنها في زحام الكلمات واحتشادها، تتراكض إلى أوراقها حشود المفردات، فتروِّضها ببوحها الأليف ومنطقها الشفيف، تتوافد الذكريات عليها، فتُحسن وفادتها من فرط خوفها على الطفلة الساكنة أعماقها، تلك الطفلة التي ابتلعت القمر ذات حلم، فصار القمر نشيداً متلألئاً في فمها، وتراتيل تصدح بالجمال المضيء، قولاً وفعلاً وانشغالاً وانتماءً صريحاً لماء الأرض ولون السماء ورائحة النخيل، كيف لا.. وهي النخلة السامقة والضاربة بجذورها في ربوع القصيدة، والساهرة على الوجد وقت انطفاء النجوم، وهي انهمار الأفلاج نحو قلوبنا العطشى، وصحرائنا الذاهلة.
إنها عوشة بنت خليفة السويدي «1920 - 2018» - فتاة العرب - التي أضفت على الشعر النبطي في الإمارات حلاوة وطلاوة ورقّة ونداوة، كما لم يفعل أحد مثلها من قبل، وجعلت من هذا الشعر موئلاً للنفوس الحائرة، وملجأ للقلوب النازفة، وبيتاً يرنّ فيه صدى الأيام ورجع الذاكرة وجرح الغياب، اختارت عوشة أن تكون استثنائية منذ البداية، وأن تهندس الشعر بلمستها الحانية، وعاطفتها المانحة، وذاتها الأنثوية المجبولة على حياكة الصبر، وتريبة الفقد، وتطريز الألم.
لذلك، كان ميراث الشعر الذي أودعته عوشة في مداركنا وأشواقنا، هو الميراث الذي لا يبلى ولا يفنى، لأنه قرين شغف لا يخفت، وبصيرة لا تبهت، وكرمٍ لا ينقطع، وجمال لا ينفذ.
تقول الشاعرة عوشة السويدي في إحدى قصائدها الشعبية المبهرة شكلاً ومضموناً:
«لا تشطّ يا زين التلاميح
رفّ بي تراني منك ميروح
يا قايد الفيج المساريح
يا اللي ودادك ينعش الروح»
إنه فعلاً «الوداد» الذي ينعش الروح، ويُطربها، ويسلّيها عندما تغفل القلوب ويصبح الهجر مانعاً للقيا، فبين شدّ وجذب، ولذة ومرارة، يصبح الشعر وسيلة لمداراة الحزن وتخفيف حدّته وقسوته، إنها الروح التي ظلت عطشى أيضاً لماء القصيدة، حتى بعد اعتزال عوشة الشعر في أواخر حياتها، إنها الروح التي تطرق باب الودّ، رغم رحيل أهل الدار، ورغم انكشاف العين والسمع على الأطلال والغيابات والصمت القاحل، إنه التوق الداخلي إذن، الذي ظل يربط عوشة بالشعر، وكأنهما توأمان، أو رافدان لنبع واحد ومصب مشترك.
وكما تذكر سيرتها المدوّنة، فقد ولدت عوشة بنت خليفة بن أحمد بن عبدالله خليفة السويدي بمنطقة المويجعي في مدينة العين عام 1920، وعاشت معظم حياتها في دبي، قرضت الشعر وهي في الثالثة عشرة من عمرها، وتوقفت عن نشر قصائدها في أواخر التسعينيات، واعتزلت كتابة الشعر تقريباً، إلا من بعض القصائد المكرّسة لمدح الرسول والاستئناس بالقرآن وتلاوته وحفظه.
وتساجلت الشاعرة عوشة بنت خليفة السويدي، مع كبار الشعراء في الدولة، وعلى رأسهم المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، والشاعر أحمد بن علي الكندي، وسعيد بن هلال الظاهري، ووصفها المغفور له الشيخ زايد بأنها ركن من أركان الشعر بقوله: «ياركن عود الهوى وفنّه شاقني جيلك بالوصافي»

حظيت بمكانة مرموقة وبمحلّ عال في مراتب الشعر المحليّ والخليجي 

عزّزت عوشة بنت خليفة السويدي حضور القصيدة النبطية في الوجدان المحلي، وساهمت في انتشاره من خلال الوسائط الإعلامية المختلفة، وخلقت بالتالي حالة من الحراك والجدل والانتباه لنتاجها الشعري المتميز والراصد لتحولات اجتماعية وأدبية وتاريخية كبيرة في الإمارات خصوصاً، ومنطقة الخليج عموماً، إضافة إلى ذلك، حظيت الأغنية الإماراتية من خلال قصائدها بإقبال كبير، وتغنّى بكلماتها كثير من الفنانين، أمثال: جابر جاسم، وعلي بن روغة، وميحد حمد، وعزيزة جلال، وحارب حسن، وغيرهم.
حظيت الشاعرة «عوشة بنت خليفة» بمكانة مرموقة وبمحلّ عالٍ في مراتب الشعر المحليّ والخليجي، واستحقت التكريم اللائق بعطائها الغزير والوافر في المشهد الثقافي والواقع الاجتماعي والرصيد الفني والغنائي بالإمارات، وكان تكريمها في معرض أبوظبي للكتاب العام الماضي 2019 واختيارها الشخصية المحورية للمعرض، بمثابة تكريم للشعر ذاته في تجليّاته القصوى، واحتفاءً بشخصية فريدة امتلكت جوهر الشعر، وفاضت أبياتها وقصائدها ببديع القول، ولذّة البلاغة، ووهج البيان، وجزالة السبك، ودقّة التعبير، ورهافة التصوير.
جاء في إعلان معرض أبوظبي الدولي للكتاب في دورته التاسعة والعشرين، حول هذه الاحتفالية، بأنه يمثّل تكريماً للشخصيات والرموز الثقافية والفكرية في العالم العربي، والاحتفاء بإنجازاتهم التي تشكل نموذجاً للأجيال المقبلة، وتدفعهم إلى مزيد من الجهد للنهوض بواقع الثقافة العربية، حيث تعد الشاعرة «فتاة العرب»، رائدة من رواد الشعر النبطي في الإمارات، وقد اختار لها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، لقب «فتاة العرب»، بعد تكريمها وتقليدها وسام إمارة الشعر في عالم الشعر الشعبي في عام 1989. وكتبت عن هذا التكريم قصيدة تقول فيها:

«والوسام اللي منحني به زعيم
أفضل الترشيح جا من أفضلي
خصّني باسمي فتاةٍ للعرب
والخليج، والنعم هذا الاسم لي
وأثني العرفان بالشكر الجزيل
للّذي قدّر وشرّف مزملي»

وتمثّلت أولى مساجلاتها الشعرية مع صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، في هذه الأبيات الزاهية في معناها ومبناها، والتي تقول فيها:

«هبّ شرتا لافح تَرْسا
من فيوي دبي نِسناسه
ياب لي في مسمعي همسا
حرّكت من قلبي أجراسه
لي بذوقه تنطق الخرسا
والبليد يرجع احساسه
حيّ قول به زها الطرسا
يشبه الديباج فالماسه
له قوافي كالصخر ملسا
المِنقّا من حجر ماسه
كم درسته بالذكا درْسا
وأسفر إلْيِه نور نِبراسه»

تكشف هذه القصيدة الماتعة عن مدى قدرة عوشة بنت خليفة على التعامل مع «الجرس اللفظي» كأبهى ما يكون، مستعينة بذخيرتها اللغوية والمعرفية، في توليف صور ومشاهد واستعارات تتجاوز العادي والمألوف، فتسبر غور المعاني الباطنة، والتصاوير المتوارية، كي تخرج لنا كنوزاً من الوصف المدهش، والتعبير المتألّق، مأخوذة بالقوافي المتجانسة، وبالأوزان الموحية بالبهجة، وبالنسق الحركي الرشيق على مسرح الرؤى ومنصّة الخيال، مستعينة بحروف تجمع بين «السين والألف والهاء»، وهي حروف ذات وقع لفظّي هامس ومتخفّف من لوازم القوافي الثقيلة على السمع، وكأنها تطلق بواعث الفرح في أمداء فسيحة، لا يحدّها مكان ولا يحصرها زمان، ومستخدمة التشبيه البليغ في مقاصده، والبديع في تراكيبه، والواضح بتمنّع مقصود، واضعةً الميزان الذهبي لكفّتي المعنى والعبارة، فلا اختلال ولا ميل ولا غلَبَةٍ لجانبٍ على آخر، وفي هذا دلالة على إبداع متفرّد تمتّعت به «عوشة بنت خليفة» ولازمها في معظم قصائدها التي كتبتها وقت نضوجها الشعري، ووقت كمال ارتباطها بالقصيدة كرهان وقدر اشتبك مع حياتها وأحوالها وحلّها وترحالها.
لقد رافق حس الترحال شاعرتنا بحضوره الفيزيائي وتأثيره المعنوي، وكان لقلق التنقلّ بين مدن وحواضر الدولة المختلفة وقع ملحوظ على طبيعة نتاجها الشعري، فمن خلال وسائل النقل القديمة مثل الإبل والسفن التقليدية، ارتحلت شاعرتنا من مدينة العين وإلى أبوظبي، وصولاً إلى دلما وغيرها من المناطق الداخلية والساحلية، وانتهاء بدبي، وساهمت هذه التحولات المكانية في ضخّ قصيدتها بصور أشبه باللوحات التشكيلية، والمنحوتات المجسّدة، التي تحيلنا إلى تكوينات بصرية غاية في التمايز والتنوّع والتباين، وفي هذا ما يشي بغنى التجربة المنعكس في اللاوعي على شكل القصيدة التي صاغتها عوشة بحرفية الفنّان، وذهنية المصمّم العارف بأبعاد الذاكرة، وعمق «النوسالجيا» الشخصية والعامة، وجماليات البيئة المتحركة في أفق فاتن، وحافل بالتلاوين والأصداء والعتمات والأضواء والتي خَبِرَتْها «عوشة» جيداً، وعايشتها عن قرب وسط الفيافي والصحاري والجبال والوديان والبحار والجزر، فامتلكت بذلك خرائط بانورامية للمخيلة، وفضاءات سحرية للمكان، الأمر الذي جعل من قصيدتها كرنفالاً سمعياً يضجّ بالمشاعر المتقّدة، ومهرجاناً بصريّاً يكتسي بالمناظر الآسرة التي لا يخبو بريقها، ولا تذبل فيها وردة الروح.
تقول عوشة بنت خليفة في إحدى قصائدها، وهي في جزيرة «دلما»، بعد أن تعطلت السفينة وبقيت في الجزيرة مدة ثمانية عشرة يوماً.

«تكفى وزا ما صابنا والقلوب اشتات
ضحى ما يودع ذايب القلب مضنونه
وجوه يظهر عليها الحزن والحسرات
نهار الحبيب يودّع اللي يحبونه
علينا اظلمت لوطان واغبّرت الفيّات
وسالت ادموع اللي زها الكحل بعيونه
يخفي بكاه لا يفرح الشمّات
ولها عبرة في باطن اليوف مكنونة».

رقّة ونداوة
في مداخلة لها مع «الاتحاد الأسبوعي»، أشارت الدكتورة رفيعة غباش إلى أنها أصبحت مؤتمنة على تراث «عوشة»، وأبدت رغبتها في ظهور جيل جديد يستلم منها هذا التراث الحافل والغني والمتألّق دوماً، في الماضي والحاضر والمستقبل، وأن يكون هذا التواصل مع جيل الشباب مجسّداً من خلال جائزة «عوشة بنت خليفة» التي أسسها ويرعاها السيّد خلف أحمد الحبتور، مضيفة أن بنود الجائزة تهدف لتشجيع الشباب على مجاراة قصائد عوشة، والنهل من معين الثقافة المحلية، والشعور بجذور هذه الثقافة في قصائد الشاعرة القديرة عوشة، والمحافظة على المفردات المحلية الإماراتية، خاصة في الشعر النبطي.
ولفتت غباش إلى وجود مشروع طموح تشرف عليه شخصيّاً، وهو ترجمة قصائد عوشة بنت خليفة إلى اللغة الإنجليزية، حيث تمت ترجمة أربع قصائد إلى الآن، وأن مشروع الترجمة هذا متواصل حتى الانتهاء من كل القصائد المرشّحة.
وقالت غباش: «أخبرتني ابنتها السيدة حمدة بنت راشد السويدي أن والدتها عوشة أصبح لديها موقف من الشعر والشعراء، حين أصبح الهدف ماديّاً، فابتعدت عن الشعر تدريجياً، وأثابها الله بحالة من الزهد جعلها تعيش الوجد الإلهي والصلة الداخلية العميقة مع المعبود».
وأشارت غباش إلى قصيدة مهمة وردت بديوان «فتاة العرب» ولم يلتفت لها الكثيرون، رغم جمالها وقوّة تعابيرها، وهي لشاعر مجهول، وعنوان القصيدة «شاعرة وديوان»، وذكرت غباش أن هذه القصيدة تشتمل على أوصاف عذبة ومعانٍ دينية تأثرت بها عوشة كثيراً، ويرد في بعض أبياتها ما يلي:
«يا أمّ أحمد والقصائد باقة
ملأت من الديوان كل رحابهِ
ولقد سلكتُ شعابَه فوجدته
زهراً تضوّع عطره بشعابهِ
كلّ القصائد فيه ذات حلاوة
لكن (شهر الصوم) من أطيابه
(يا واسع الغفران) كانت درّة
بيد النبي وأنت من أحبابه
لله شاعرة يحنّ لشعرها
داود والمزمار في محرابه».