نوف الموسى

كان البحر يهيج بأعلى صوت، ويمتد بجسده المغمور حتى يصل إلى «الفرجان» ويتسرب بنفسه كمياه السدود الجارفة بين «سكيك» البيوت، القريبة من «السيف»، هناك حيث يصطاد أهاليها السمك باستخدام «الليخ»، تلك الشبكة المغزولة بخيوط النايلون، بفتحاتها التي قد تكاد تكون أعين يرى بها الصيادون قلب مياه الخور في ديرة بدبي، يرمونها على سطح البحر وكأنهم يلحفونه يُدفئونه، ليغتنموا بخيراته، على طريقة «الضَّغوة»، فيها يتم تحريك الشِّباك لتراوغ الأسماك، حتى تصل إلى وسط شبكة الصيد ويتم سحبها لرمال الشاطئ، ومنها أُطلق عليهم بـ «فريج الضغاية»، إلا أن لا أحد يعرف إلى الآن، إذا ما كان هناك ارتباط بين صوت الحركة السريعة لسمكة «العومة» في الشِّباك، وإيقاع طبل «الشيندو» بالقرب من الساحة الخالية بجانب بيت صاحب «العدة»، أو الأب لفرقة «اللّيوه» الشعبية، منهم كان علي خيري، الذي بعد كل مدة من تجمعات لممارسة «اللّيوه»/‏‏ اللّيوا وانتهاء «الدق»، يعلن للجميع بيوم الحساب، ليوزع على المؤدين والعازفين «المقسوم».

بسيطة كانت هذه «الروبيات» التي يحصدونها، لكن فرحتهم بتأدية الفن يشبه تماماً بهجة أطفال «فريج الضغاية» عندما يرون «روبية» جرفها البحر، بمده إلى بيوتهم، كانوا يغمسون أيديهم وأرجلهم في تلك المياه ويلمسون التراب والحصاة، بحثاً عن أغنية، لأنه وقتها كان على الصبي، أن يتعلم ويشارك في «اللّيوه» وإذا ما أتقنها يصبح بذلك رجلاً، ويقع في شِّباكها حتى آخر لحظة من حياته، ويردد حولها كلما سأله أحد لماذا اللّيوه؟: «نحن وعينا من كنا صغار على صوت الطبل، كنا نخاف في البداية، بس من دخلنا ولعبنا في الحلقة عشقناها».

شعور حسي
أن تتحرك إلى الذاكرة عبر الصوت، هو أمر يختلف تماماً عن اللغة، مثلها مثل حديث الفنان والملحن الإماراتي القدير إبراهيم جمعة، فهو الأقدر على تحويل كل موضوع إلى جملة لحنية، كأنه يدرك تماماً بأن المعنى في الحياة يمكن تبسيطه عبر الموسيقى، لا تحتاج فيها إلا كلمات، فقط شعور حسي واحد كفيل بأن يشكلنا جميعنا، بدأ مباشرة يسرد حكاية فن «اللّيوه» الشعبي، خاصة أنه من «فريج الضغاية»، المعروفين بهذا الفن، والسبب الرئيسي، كما أوضح الفنان إبراهيم جمعة في حديثه لـ «الاتحاد»، لأنهم بحاره، ويعيشون بالقرب من ميناء مهم في المنطقة، خاصة أن منشأ فن «اللّيوه»، يعود إلى السواحل الشرقية لأفريقيا منها «كينيا وتنزانيا وزنجبار»، الذين كنا نرتبط معهم بعلاقات تجارية حينذاك، وبذلك يصنف «اللّيوه» من الفنون الشعبية الوافدة إلى دولة الإمارات.
ويسرد لنا الفنان إبراهيم جمعة أبعاد انتقال الفن من خلال الانقلاب الشيوعي الذي حدث في جزيرة زنجبار، الواقعة في شرق ساحل «تنجانيقا» - إبان وقوعها تحت حكم سلطنة عمان - وهي الجزء الذي اتحد مع جزيرة زنجبار عام 1964 مكوناً جمهورية تنزانيا الاتحادية، وبذلك يكون آخر سلطان حكم زنجبار هو جمشيد بن عبدالله آل سعيد البوسعيدي. 
ومن بين الروايات التاريخية، أنه بعودة العمانيين إلى سلطنة عُمان، بعد انتهاء فترة حكمهم لجزيرة زنجبار، حملوا معهم فن «اللّيوه» الشعبي، ومنه انتقل إلى دول الخليج العربي.
الفنان إبراهيم جمعة أكد على أثر الغوص «العود» الذي يستمر من 9 إلى 10 أشهر، على امتداد المحيط الهندي، مروراً بميناء المكلا منه إلى ميناء عدن، وصولاً إلى زنجبار، ونتيجة الاحتكاك التجاري، انتقل إلينا فن «اللّيوه»، مع مجموعة من الفنون الشعبية من بينها فن «السومو» و«الأنديما» التي تمارس أكثر في ولاية صور بسلطنة عُمان، وذلك لأنهم أهل خشب وأهم من صنع السفن في الخليج، ومنه نتصور وببعد تاريخي أن فن «اللّيوه» الشعبي انتقل من سلطنة عمان إلى الإمارات وتحديداً إمارة دبي.

عوالم إيقاعية
الدخول إلى العوالم الإيقاعية والغنائية لفن «اللّيوه» الشعبي، مع الفنان والملحن الإماراتي إبراهيم جمعة، يمتاز بمتعة فكرية وذهنية وحسية، بدأها بتعريف معنى تسمية الفن بـ «اللّيوه» والتي أطلعنا عليها جمعة بأنها تعني «الشراب»، يتغنى فيها المؤدون بقولهم: «جومبي ها لّيوه جومبي»، باللغة السواحلية، وتعني: تعال يا شراب تعال، وهي بمثابة طقوس يحييها الصيادون في بلدة نشأة الفن أثناء ظفرهم بصيد وفير، واستكمالاً لما ذكره جمعة، فإن الرواة عموماً لم يتفقوا على معنى واحد وواضح للتسمية وأسبابها، كما أشار الكاتب البحريني خالد عبدالله خليفة، في مقالة بعنوان «آلة الصرناي وفن الليوة»، فإحدى الروايات التي ذكرها الباحثون في المجال أنها تعود لاسم إحدى القبائل الأفريقية، مثل قبيلة «اللو» الكينية، وأخرى سردت إمكانية أنه اسم يعود لأحد أسماء السفن في شرقي أفريقيا، نسبة إلى الشكل الدائري في مقدمة السفينة، الشبية بسفينة «البتيل» في الخليج، وإذا قد تكون «اللّيوه» تعني الدائرة، تلك التي يشكلها المؤدون في فن الليوه الشعبي.

تفسيرات موسيقية
أجمل ما يمكن تصوره في البحث المعرفي، هو المقدرة على استخراج فن شعبي من مفاهيم الممارسة إلى التفسيرات الموسيقية، وكأنك تجيب على سؤال: ماذا يحدث بالضبط عندما نسمع ونرى فن «اللّيوه» كمشاهدين؟ وبذلك يذهب الفنان والملحن إبراهيم جمعة إلى ما يشكل الضروبات الإيقاعية، وهو طبل «الشيندو»، ويسمى كذلك «مسيندو»، «مشيندو»، والذي يوضع عادة بالقرب من شعلة النار لتسخينه، ويضرب في الإمارات بيدين مجردتين، بالمقابل، فإنه في الدول الخليجية الأخرى يستخدم للضرب على طبلة «الشيندو» عصاتين، وصفه جمعة بأنه «يشكل» الضربات (الدق)، ويمتاز بأنه حر، ولكنه لا يخرج عن الوزن، وهو إمبراطور الإيقاعات ويجلس عازفه على كرسي، يقابله مباشرة «البيب»، وهي صفيحة معدنية كانت تستخدم قديماً لتخزين الزيت، يضرب عليها بالعصا من سعف النخيل لتشكيل «رتم» معين، وأيضاً هناك طبل أصغر يسمى «الكاسر»/‏‏ «الجاسر» - يكون يمين طبل «الشيندو» - الذي تكون دقاته عكس وتجاوب طبل «الجبوة» - المتموضع يسار طبل «الشيندو» - المسؤول عن إمساك الرتم.
وأخيراً، آلة المزمار، التي تمثل المطرب في فن «اللّيوه» الشعبي، والقادرة على تبديل الأغاني التي يتجاوب معها المؤدون، وبين كل أغنية وأغنية فترة زمنية تمتد بين دقيقتين إلى 4 دقائق، موضحاً جمعة كيف أن الأغاني في الوقت الحاضر تم استبدال بعضها بكلمات محلية، مثل: «بيبي متو سقاني مرمره، عبدك يا شيخ ضربني بخنيره»، «ريت الثلاث في المسايد يصلون، واحد عديل الروح واثنين يولون».

نقطة جدلية  
نعرج على نقطة جدلية حول ما يمكن اعتباره جزءاً من الفنون الشعبية المحلية، خاصة أن فن «اللّيوه» الشعبي تحديداً، عليه الكثير من التساؤلات والجدليات، بين مجموعة من الباحثين في دولة الإمارات، في مسألة أنه فن شعبي إماراتي، وحول ذلك تحدث حسن علي لاغر رئيس فرقة جمعية دبي للفنون الشعبية، مبيناً أنه بالعودة إلى تاريخ حضور فن «اللّيوه» في الإمارات، فإنه يتجاوز الـ 50 سنة، ما يجعله يمثل جزءاً من نسيج مجتمعي ينعكس على الفنون الشعبية، وفي الإمارات تحديداً لأن فن «اللّيوه» يؤدى بنفس الطريقة التي لا تزال تقدم في تنزانيا مثلاً، سواء الإيقاعات على طبل «الشيندو»، والحلقة التي يشكلها الرجال، مضيفاً أن هناك نساء شاركن في فن «اللّيوه» في السابق، من خلال حلقة داخلية خاصة فيهن، إلا أنه في الوقت الحالي لا يشاركن في تقديمه.
ولفت علي حسين إلى الدور الذي لعبه الأب الروحي لجمعية دبي للفنون الشعبية، الراحل خادم سرور، رحمة الله عليه، إلى جانب دور الموسيقي عيد الفرج والفنان إبراهيم جمعة، من ساهموا في تعليمهم، ولولاهم ما كانوا سيدركون هذه الفنون اليوم، عبر حضورهم ومشاركاتهم في جمعيات الفنون الشعبية، وسرد لنا حسين طفولته في «فريج الضغاية»، عندما كان يسير بجانب بيت حسين بن كته، ويبدأ هناك «الدق» أي إحياء فن «اللّيوه» الشعبي، قائلاً: «أتذكر الرمل في الساحة التي كان يتحرك فيها المؤدون على شكل دائرة في الليل، والتي تبقى كما هي حتى الصباح، كأنهم رحلوا عنها قبل قليل، في ذاك الوقت كنت تستطيع أن تلاحظ الأشياء وتنتبه لها، كان هناك دائماً متسع من الوقت للتأمل فيما هو حولك، والتراث ليس فن «اللّيوه» وتفاصيله، ولكنه أيضاً تفاصيل حياتنا حول هذا الفن، وغيره من الفنون سواء العيالة أو المالد».
 وتابع: «أتذكر أول مرة دخلت إلى حلقة فن «اللّيوه»، كان في أحد الأعراس، وكنت صغيراً، ولا أعرف، وفجأة انطفأت الكهرباء، وقررت أنا وصديقي، أن ندخل ولن يرانا أحد، وإذا بالكهرباء ترجع فجأة أيضاً، ويشاهدونا الكبار حاضرين معهم، ويأشرون علينا، ويشجعونا، ووقتها كملنا، ومنذ تلك اللحظة لم تغادرني «اللّيوه» إلى هذه اللحظة».

درويش عاشور: تعلمت العزف على بحر الممزر
في زيارة إلى جمعية دبي للفنون الشعبية، كانت التجربة الحيّة والأقرب والأعمق من خلال اللقاء بـالعازف على آلة المزمار (الزماري) في فن «اللّيوه» الشعبي درويش محمد حسن عاشور، والذي بدأ في الثمانينات رحلته مع هذه الآلة، قائلاً: «كنت أذهب إلى بحر الممزر، وقتها كان هادئاً جداً، وأجلس لأتدرب على العزف لفترة، حتى أتقنته، بشكل جيد».
ويتذكر درويش كيف قام كبار المواطنين من فرحتهم بإتقانه للعزف بأن ألقوا عليه «النثور»، إلا أن الانطلاقة الفعلية للتكوينات الفنية لـ درويش كانت هناك في «فريج الضغاية»، فترة الستينيات، عندما كان طفلاً، ويرى كيف أن فرقة «اللّيوه»، يوم الجمعة تحيي حفلاً، في ساحة جانبية أو خالية بالقرب من بيت صاحب العدة، فاللّيوه قديماً لم تكن مقتصرة على الأعراس والمناسبات، بل تحضر للأنس في كل وقت، وبينما هم يلعبون في «السكيك»، يسمعون صوت الطبل، ويذهبون نحوه مباشرة، وكل شيء كان عفويا، حتى أن تم تنظيمه من خلال الجمعيات، مثل: جمعية دبي الشعبية التي كان موقعها في منطقة هور العنز، وجمعية «عيال ناصر»، وجمعية السطوة، ويذكر درويش كيف أنه بدأ يقدم مع فرقة «اللّيوه» الشعبية على المستوى المحلي من خلال جمعية دبي للفنون الشعبية، برئاسة الراحل خادم سرور آنذاك، رحمة الله عليه، وأيضاً عبر الفرقة القومية التي كانت تابعة لوزارة الإعلام والثقافة وقتها.
وبين درويش الفضل الكبير للباحت والموسيقي عيد فرج، في تعزيز مهمة التعليم، وإتاحة فرصة للعازفين للمشاركة في فعاليات كبرى، قدم من خلالها درويش، عزفه على آلة المزمار لفن «اللّيوه» الشعبي في العديد من بلدان العالم، مثل: تونس، والجزائر، ومصر، وسوريا، والمغرب، وألمانيا، وإيطاليا، وباريس، وكندا، ونيودلهي، وغيرها.
وقدَّم درويش عاشور لـ «الاتحاد» شرحاً تفصيلياً لمكونات آلة المزمار المستخدمة في فن «اللّيوه» الشعبي، فالقطعة الأولى العلوية يطلق عليها «المنارة»، أما القطعة الثانية، فهي «الدقل»، والقطعة الثالثة، هي: «الراس»، ويقال عنها «التاكو»، في اللغة السواحلية، ويشير درويش أنها تعتمد على النفس الطويل المستمر، من وإلى، أمام مسؤولية الآلة في أنها تعطي الأغاني ليجاوب من بعدها المؤدون.
ذكر العازف درويش مجموعة من الكلمات المغناة في فن «اللّيوه» الشعبي، مع أهمية ذكر أن هناك نوعيات داخل فن الليوه نفسه، مثل تفاصيل فنية مثل (مدوندو)، و(دنكمارو) واختلافها يكون على مستوى النقوش الإيقاعية لطبل «الشيندو» عن اللّيوه الأساسية بشكل عام، إلى جانب اختلاف في كلمات النشيد، ومن بين ما يغنى في فن «اللّيوه» والتي أطلعنا عليها درويش عاشور: «اسمع ونين غبيشه فوق الغرفة، يا أمي عيبني المولد وابا أشوفه، لا إله إلاّ الله يا ممباسا»، «على طريح النوخذة صيد العالي، هم سايلوني بالخضر وين الغالي، تمشي على بو خماس، ماله والي»، ولفت درويش إلى قصة لإحدى الأغنيات المستخدمة في فن «اللّيوه» لأم تبحث وتنادي على ولدها للعودة، أيام الأسفار البعيدة، تقول فيها: «فيروز الغالي ساروا يبيعونه، عساه يهب الشمال.. فيروز يردونه، فيروز الغالي ساروا يبيعونه».