أبوظبي (الاتحاد)

يعتبر الشيخ محمد بن خالد بن سلطان آل نهيان (1942- 1997)، من الركائز الوطنية الأساسية في إمارة أبوظبي، وأكسبته نشأته بالقرب من والده، ومشاركته في المجالس الاجتماعية المتنوعة، وفي الفعاليات الحكومية في تلك المرحلة المهمة من تطور إمارة أبوظبي، العديد من الخبرات والمعارف الحياتية، ومزيداً من الحكمة والحنكة الإدارية، والقدرة على إدارة الأمور الاقتصادية والتنظيمية. 

ولد - رحمه الله - في قصر الحصن في أبوظبي عام 1942، وهو الولد الوحيد للشيخ خالد بن سلطان آل نهيان، وترعرع وتربى في أحضان والديه، وورث عن والده حب الناس والوفاء والإخلاص للأصدقاء، ما مكنه من أن يتمتع بصداقات مخلصة، وعلاقات وطيدة ظلت تربطه بأبناء وطنه، وعبر كثير ممن عرفوه عن فادح خسارتهم بعد وفاته - رحمه الله.
وتمتع بوافر الرعاية والحماية والتنشئة الأبوية الخاصة، وكان موضع اهتمام الجميع وتقديرهم، وتوفرت له كل أنواع الرعاية المتميزة، وكان شغوفاً بالمعرفة والعلم منذ الصغر، وكان التعلم الديني أولى محطاته في سبيل المعرفة، حيث تتلمذ على أيدي كبار مشايخ العلم آنذاك، في القراءة والكتابة، وحفظ ما تيسر من القرآن الكريم.
ورغم أنه كان ممثلاً للحاكم في جبل الظنة في أوائل الستينيات، ونائب رئيس الدائرة المالية عام 1966م، وعضواً بمجلس التخطيط عام 1968م، ورئيساً لدائرة الجمارك والموانئ عام 1969م، ووزيراً للمواصلات والتي تشمل دائرة الموانئ ودائرة البريد ودائرة الطيران المدني عام 1971م، ثم رئيساً لدائرة التنظيم والإدارة، ورئيساً لمجلس الخدمة الوطنية، لكنه آثر أن يترك المناصب السياسية، وأن يتوجه للعمل الخاص به، إيماناً منه بأن الإنسان يستطيع أن يخدم وطنه في مقاعد الوزارة أو خارجها، وهذا ما سعى إليه، بأن استثمر أمواله وجهوده في دعم المسيرة العمرانية، والمساهمة الفعالة في النهضة الحضارية للدولة.
تشجيع العلم 
وكان الشيخ محمد بن خالد آل نهيان شغوفاً بالمعرفة الثقافية، ومحباً للتعليم، وقارئاً جيداً ومحاوراً بارعاً في العلوم والمعارف، كما كان شغوفاً بمعرفة كل جديد وحديث، ومتابعاً لمجريات الأحداث والقضايا داخل الوطن وخارجه، ويهتم كثيراً بنشر الوعي بين أصدقائه وضيوفه الذين كان يمتلئ بهم مجلسه العامر؛ لذا كان داعماً للعلم والتعلم لكل من حوله. كما حرص بالقدر نفسه على متابعة أبنائه في تحصيلهم الدراسي والمعرفي، ليكونوا من المتميزين، كما لم يقف اهتمامه على أبنائه فقط؛ بل كان يمتد إلى الكثير من أبناء وطنه، فكان مشجعاً لهم، مقدماً يد العون لاستكمال دراساتهم، وتوفير فرص التعليم لهم في أحدث المدارس والجامعات، ويقدم لهم بعثات تعليمية في الخارج على نفقته الخاصة.

رعاية الأسرة
كان - رحمه الله - متابعاً دقيقاً لشؤون أسرته، ويربيهم على أن حب الوالدين والبر بهما هو الأساس الذي يزرع في الإنسان حب الوطن.
وكان لوفاته المبكرة - رحمه الله - أثر كبير على أسرته، لكن الأساس الذي أرساه في حياته استطاع أن يجعلهم متماسكين، متحابين، متراحمين، يجمعهم حبه، وروحه الحاضرة الغائبة في نفوسهم، وينهلون من نبع القيم التي أرساها، برعاية الشيخة حمدة بنت محمد بن خليفة آل نهيان.

هوايـــات
الشيخ محمد بن خالد آل نهيان - رحمه الله - كان مولعاً بالخيل، وحريصاً كل الحرص على اقتناء أفضل الخيول العربية، وتربيتها، ورعايتها، ومشاركتها في السباقات المحلية والسباقات في الدول المجاورة، واتسمت الإسطبلات التابعة له بالتميز والتفرد في الرعاية والتدريب والترويض لهذه الخيول العربية الأصيلة، التي استطاعت أن تسجل مراتب متقدمة في السباقات.
الصيد بالصقور كان من أهم وأحب الهوايات التي كان يمارسها -رحمه الله- فقد كانت هوايته المحببة، والتي زرع حبها وتأصيلها في ثقافة أبنائه الذين كانوا يرافقونه في كل رحلاته، حتى أصبحوا يسيرون على نهجه في القنص والصيد بالصقور في كل موسم، سواءً في داخل الدولة، أو خارجها.
وللصقر في حياته مكانة خاصة وقيمة ومعنى، فنجده حريصاً كل الحرص على صحته وراحته وتدريبه والمحافظة عليه، وهذا ما ورثه عنه أبناؤه، من الاهتمام المتميز بالصقر والصقارين المهرة في حياتهم. ولم يقتصر - رحمه الله - على الاهتمام بالصيد البري؛ بل كان شغوفاً بالصيد البحري، حيث يقضي معظم وقته بالحياة البحرية وتنظيم الرحلات لها، والإشراف عليها بنفسه، وكان - رحمه الله - يملك أكبر فرق الصيد بالصقور، ويجمع حوله أهم رجالات الخبرة والمهارة من أبناء القبائل والعشائر المعروفة، التي ما زالت تشهد له بالتنظيم المتميز والقيادة الماهرة في إدارة رحلات الصيد.

إنسانية وتواضع
أجمع كل من تعامل مع الشيخ محمد بن خالد آل نهيان - رحمه الله - بأنه شخصية إنسانية لا مثيل له، من حيث التواضع، والحب لكل الناس.
حيث كان يزورهم في مختلف مناسباتهم، أياً كانت، ويتفقد أحوالهم، ويحرص كل الحرص على مشاركتهم في مواقف حياتهم المتنوعة. 
وكان له مع كل من عرفه، أو صادقه، موقف إنساني لا يُنسى؛ من فرط تواضعه وإنسانيته، فقد كان - رحمه الله - إنساناً بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ، فلا فرق عنده بين أبنائه أو أبناء مجتمعه، وليس غريباً - إزاء كل ذلك - أن يتمتع بهذه المحبة من جانب أبناء وطنه في كل المناطق التي وطأتها قدماه في حله وترحاله.

أعمال وإنجازات
الشيخ محمد بن خالد آل نهيان - رحمه الله - من الدعائم الاقتصادية والركائز الوطنية الأساسية في إمارة أبوظبي، واستطاع أن يحقق من خلال أنشطته الاقتصادية والاستثمارية، تدعيماً لخطط التطوير الحكومي، والمساهمة في إظهار صور حضارية راقية لوطنه، من خلال المشروعات العمرانية، وفتح آفاق واسعة أمام المواطنين في التوظيف، والارتقاء بالحياة العامة في المجتمع، مما كان له الأثر الكبير في دعم الانتماء والولاء على أرض دولة الإمارات العربية المتحدة، كما امتدت أعماله لدعم الاقتصاد الوطني بفروعه المختلفة، وساهم في النمو الاقتصادي للدولة، من خلال المشاريع العملاقة التي تبناها، وبعد وفاته تواصلت إنجازاته برعاية الشيخ خليفة بن محمد بن خالد آل نهيان، بمساندة أشقائه، منتهجين نهجه في مسيرته العطرة، فكانوا خير خلف لخير سلف.