بيروت (وكالات)

طالب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أمس بإجراء تحقيق دولي حول انفجار مرفأ بيروت الثلاثاء الماضي الذي تسبب في مقتل 145 شخصاً وإصابة خمسة آلاف بجروح وتشريد 300 ألف آخرين. وقال في مؤتمر صحافي في ختام زيارة إلى لبنان تفقد خلالها المنطقة المنكوبة وسط هتافات عدد كبير من اللبنانيين رددت شعار «ثورة، ثورة ساعدونا»: «يجب إجراء تحقيق دولي مفتوح وشفاف للحيلولة دون إخفاء الأمور أولاً ولمنع التشكيك». 
ولم يستبعد ماكرون الذي اجتمع مع رؤساء الجمهورية ميشال عون والحكومة حسان دياب ومجلس النواب نبيه بري، كما التقى ممثلين عن القوى السياسية، بينهم «حزب الله»، والمجتمع المدني خلال اجتماع موحّد، فرض عقوبات على المسؤولين اللبنانيين الذين يعرقلون الإصلاحات التي يطالب بها المجتمع الدولي، مشيراً إلى ضرورة بدء تغيير النظام ووقف الانقسام ومحاربة الفساد، واستطرد قائلاً: «في بعض الظروف، العقوبات ليست الأكثر نجاعة، والحل الأنجع هو إعادة إدخال الجميع في آلية حل الأزمة».
وأعلن ماكرون عن تنظيم مؤتمر دولي لدعم لبنان، وطالب المسؤولين اللبنانيين بإعادة تأسيس ميثاق جديد مع الشعب لاستعادة ثقته، مشيراً إلى أنه سيعود في الأول من سبتمبر لإجراء تقييم للوضع. وقال: «سننظم خلال الأيام المقبلة مؤتمر دعم دولياً لبيروت والشعب اللبناني بهدف الحصول على تمويل دولي من الأوروبيين والأميركيين وكل دول المنطقة وخارجها من أجل توفير الأدوية والرعاية والطعام ومستلزمات البناء». وأكد أن مجمل هذه المساعدة الفرنسية أو الدولية ستدار بطريقة شفافة وواضحة لتصل مباشرة إلى الناس والمنظمات غير الحكومية وإلى الطواقم الميدانية، فلا يكون في الإمكان تحويلها إلى مكان آخر وتبقى بعيدة عن «أيدي الفاسدين». 
وتوجه الرئيس الفرنسي إلى الطبقة السياسية بلهجة حازمة مطالباً إياها بتنفيذ الإصلاحات الملحة، وقال: «أنتظر من السلطات أجوبة واضحة حول تعهداتها بالنسبة إلى دولة القانون والشفافية والحرية والديموقراطية والإصلاحات الضرورية». وأضاف أن المبادرة التي عرضها على المسؤولين الذين التقاهم تقوم على تحمل مسؤولياتهم خلال الأسابيع المقبلة وإطلاق الإصلاحات، وتشكيل حكومة وحدة وطنية خلال الأشهر القادمة، وإنهاض البلاد.
وأوضح ماكرون الذي قام بعد تفقده موقع الانفجار، بالسير في شارع الجميزة المتضرر بشدة جراء الانفجار مستمعاً إلى شكاوى ومطالب السكان أن «الميثاق الجديد» الذي تحدث عنه خلال جولته هو أن يعمل المسؤولون على إعادة تأسيس ميثاق جديد مع الشعب اللبناني خلال الأسابيع المقبلة، مضيفاً: «هذا التغيير العميق هو المطلوب»، وأضاف: «يجب إعادة بناء الثقة والأمل وهذا لا يستعاد بين ليلة وضحاها، وإنما يفترض إعادة بناء نظام سياسي جديد».
ولفت ماكرون إلى أن أموال «سيدر» موجودة ولكنها في انتظار الإصلاحات في الكهرباء والمياه وكل المؤسسات ومكافحة الفساد، ولابد من إعادة بناء نظام سياسي جديد والتغيير الجذري مطلوب. وقال: «لا نعطي شيكاً على بياض لسلطة فقدت ثقة شعبها»، مشدداً على أن هدف الزيارة كان تقديم الدعم للشعب اللبناني الحر ولبنان، ومؤكداً أن بلاده «لن تترك لبنان أبداً».
وأوضح أنه في الساعات المقبلة هناك طائرات جديدة ستأتي إلى لبنان مع فرق طوارئ للمساعدة في البحث عن المفقودين وللتحقيق في القضية، والخميس المقبل ستصل إلى لبنان مساعدات وأدوية للحالات الطارئة، وأضاف: «هذا التعاضد سيستمر حتى مساعدة كل الأشخاص المتضررين من أدوية وأغذية وأدوات لإعادة إعمار البيوت المهدمة، وأريد أن أشكر المؤسسات الفرنسية التي قدّمت المساعدات للمتضررين». واعتبر أن «هذه الأخوة هي من الشعب الفرنسي للشعب اللبناني».
واستقبلت مجموعة من اللبنانيين كانوا يتفقدون منازلهم المتضررة أو يساعدون على إزالة الركام في الشارع، ماكرون بهتافات «ثورة، ثورة، ساعدونا» و«الشعب يريد إسقاط النظام». وتحدث ماكرون مع امرأة أمسكت يديه شاكية الوضع، وتوقف أثناء جولته مرات عدة ليتحدث مع العشرات ممن تجمعوا حوله. وقال «أتيت إلى هنا بداية لأقول إنها مساعدة من دون شروط للشعب برعاية الأمم المتحدة لتصل مباشرة إلى الشعب وإلى المنظمات غير الحكومية»، وتابع «أتفهم غضبكم. لست هنا للتغطية على النظام».
وبدا الرئيس الفرنسي يضع الكمامة وطوراً ينزعها للتحدّث مع السكان حيناً وللإجابة على أسئلة الصحافيين حيناً آخر. ولدى حديثه مع صحافيين، قاطعته شابة بالفرنسية قائلة: «لا تعطوا الأموال لحكومتنا الفاسدة. لم يعد بمقدورنا التحمل أكثر»، فالتفت نحوها وأجابها «لا تقلقي». وفي الشارع حيث سار ماكرون على قطع الزجاج المتناثرة في كل مكان وعاين أبنية بعضها ذات طابع تراثي ومقاهي تصدّعت واجهاتها ونوافذها، تكرر على مسامعه طلب المساعدة من مواطنين غاضبين. وردد بعضهم «ساعدونا، أنتم أملنا الوحيد». ورافقت جولة ماكرون إجراءات أمنية اتخذها الجيش اللبناني الذي واكبه وحاول إبعاد الناس عنه. فما كان من سيدة غاضبة إلا أن صرخت في وجههم «أين كنتم أمس؟ لماذا لم تساعدونا».
وكان ماكرون قال عقب اجتماعه مع عون في مطار بيروت «إذا لم تنفذ إصلاحات فسيظل لبنان يعاني»، وأضاف «المطلوب هنا أيضاً هو تغيير سياسي. ينبغي أن يكون هذا الانفجار بداية لعهد جديد». وأضاف أن تضامن فرنسا مع الشعب اللبناني غير مشروط ولكنه قال إنه يرغب في إطلاع بعض الشخصيات السياسية على حقائق مؤلمة عن الوضع الداخلي. وقال: «بخلاف الانفجار نحن نعلم أن الأزمة خطيرة، وتتعلق بالمسؤولية التاريخية للقيادات». وأضاف: «لا يمكننا العمل دون أن نتبادل بعض الحقائق المؤلمة.. إذا لم تنفذ الإصلاحات سيواصل لبنان الغرق». وأضاف: «ثمة حاجة لإجراءات سياسية قوية لمحاربة الفساد وقيادة لبنان إلى الإصلاح، وهناك حاجة لإصلاح النظام المصرفي اللبناني ليكون أكثر شفافية، ومن المهم وضع برنامج صندوق النقد الدولي للبنان موضع التنفيذ».