دينا محمود (لندن)

مع تفاقم العزلة الدبلوماسية الإقليمية والدولية المفروضة على نظام رجب طيب أردوغان، لم يعد هناك من شك في أن هذا النظام حوّل تركيا من دولة ذات مكانة لا بأس بها في محيطها، إلى قوة في حالة «انحدار وتراجع» مطردين، خاصة خلال السنوات القليلة الماضية.
وتتعارض هذه الرؤية التي يجمع عليها المحللون الغربيون، مع الادعاءات التي يسعى أردوغان لترويجها عبر وسائل الإعلام الخاضعة لسطوته، والتي تتحدث عن «انتصارات مزعومة» يحققها النظام التركي، وذلك في تجاهل سافر لما جلبته سياساته على البلاد من أزمات.
وأرجع المحللون «أفول» نجم تركيا تحت قيادة أردوغان، إلى «عوامل اجتماعية وسياسية مختلفة»، من بينها بدء تفعيل العقوبات الأميركية التي فُرِضَت عليها بعد شرائها منظومة «إس - 400» الروسية للدفاع الصاروخي، بجانب انسداد أفق انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي، رغم المحاولات المستميتة التي يبذلها الأتراك لتحقيق هذا الهدف منذ أكثر من 30 عاماً. 
وعلى مدار العام الماضي، تصاعدت التوترات بين النظام التركي وحكومات كثير من الدول الأوروبية الرئيسة، وفي مقدمتها فرنسا. وبلغ ذلك ذروته مع السجالات الحادة التي نشبت بين أردوغان والرئيس إيمانويل ماكرون، بشأن ملفات مختلفة، علاوة على حدوث مواجهة حقيقية بين سفن تركية وفرنسية في عرض البحر المتوسط، إثر رفض أنقرة إخضاع سفنها المتجهة إلى ليبيا للتفتيش، للاشتباه في أنها تحمل أسلحة، بالمخالفة للحظر الذي تفرضه الأمم المتحدة في هذا الشأن، ويتولى الاتحاد الأوروبي مراقبة تقيد مختلف الأطراف به.
ويُضاف إلى ذلك تصاعد الغضب الأوروبي حيال عمليات التنقيب غير القانونية التي تنخرط فيها السفن التركية، قبالة السواحل اليونانية والقبرصية في منطقة شرق المتوسط، في محاولة من النظام المستبد الحاكم في أنقرة للاستيلاء على حصة من احتياطيات الغاز الطبيعي الهائلة هناك.
وفي تصريحات نشرها موقع «مودرن دبلوماسي» الأوروبي المتخصص في تناول الملفات الأبرز على الساحة السياسية الدولية، أشار المحللون الغربيون إلى أن هذه الاستفزازات التركية المتواصلة، دفعت القادة الأوروبيين إلى بحث فرض عقوبات اقتصادية على نظام أردوغان، بحلول مارس المقبل على الأرجح.
وإلى جانب ذلك، تفيد مختلف المؤشرات بتدهور النفوذ التركي في شبه الجزيرة القبرصية، التي تحتل أنقرة الشطر الشمالي منها. وفي منتصف نوفمبر الماضي، أثارت زيارة أردوغان إلى هذه المنطقة، موجة غضب واسعة النطاق، حتى بين القبارصة المنحدرين من أصل تركي أنفسهم، ممن اعتبروا أن تلك الخطوة تشكل محاولة أخرى للهيمنة على قراراتهم من جانب النظام المستبد الحاكم في أنقرة. 
ويزيد من المأزق الحالي لأردوغان، التدهور الوشيك في علاقاته مع الولايات المتحدة، في ظل المغادرة الوشيكة للرئيس الجمهوري دونالد ترامب للبيت الأبيض، إيذاناً بتولي الرئيس المنتخب جو بايدن مهام منصبه. فقد أكد الرئيس الأميركي المنتخب، من قبل، نيته تقديم الدعم للمعارضة التركية لإسقاط النظام الحالي عبر صناديق الاقتراع، كما تعهد بالاعتراف بالإبادة الجماعية، التي ارتكبتها الدولة العثمانية بحق الأرمن، قبل أكثر من قرن من الزمان.
وفي ظل هذه الأجواء، خَلُصَ المحللون إلى أن تركيا «التي كانت منذ تأسيس الدولة العثمانية في أواخر القرن الثالث عشر الميلادي قوة إقليمية، أصبحت الآن دولة يضعف تأثيرها شيئاً فشيئاً»، وهو ما يُعزى بشكل جوهري للمغامرات والسياسات الطائشة التي انتهجها أردوغان وحزبه العدالة والتنمية الحاكم، وقادت إلى تقويض أسس الجمهورية التي أسسها مصطفى كمال أتاتورك مطلع عشرينيات القرن الماضي، وتحويل البلاد إلى دولة بوليسية داخلياً، وقوة مُزعزعة للأمن والاستقرار على الصعيد الخارجي.