التسامح هو تقدير التنوع والاختلاف، وقبوله كحق طبيعي لكل البشر دون تحيز، والقدرة على العيش وفق المبادئ السلمية وغير الإقصائية التي نؤمن بها ونعتنقها، والسماح للآخرين بالعيش وفق مبادئهم دون أن نفرض عليهم نسخةً واحدةً من الفضيلة، وما هو أخلاقي ومسموح ممارسته طالما كان تأثيره لا ينتهك حرياتنا وخياراتنا.وللأسف فإن مفهوم التسامح المتداول اليوم وخاصةً في عالمنا العربي يختزل في تحمّل أشخاص أو مفاهيم أو ممارسات لا نحبها أو حتى نكرهها، ولا تردعنا عن هذه التجاوزات سوى قوانين عدم التمييز والعنصرية، ليكون ظاهر العديد منا لا يعكس قناعات ومسلمات يؤمن بها، ويعتبرها أمراً بديهياً كالمفاضلة بين عناصر المجتمع وفق الأصل واللون، والمنطقة الجغرافية والدين والسلطة والمنصب..إلخ، وربط ذلك بالمشيئة الإلهية أو العلوم النظرية والتجريبية في هرطقة روحية أو علمية تمثل أكبر هزيمة أخلاقية تواجه النوع البشري على كوكب الأرض.
فالتسامح كمنظومة متكاملة يتطلب الإنصاف والتعاطف والتفكير المنطقي والإيثار والبعد عن الأنانية. وجوهر التسامح أن يضع الشخص نفسه في مكان الشخص الآخر وكيف يشعر، وهو مكمن الصعوبة لكون طبيعة الإنسان التلقائية خلاف ذلك كله، ولا تخدم القيم والمبادئ الدينية وغير الدينية التي تنشأ عليها الأغلبية في تحطيم أسطورة التفوق العرقي والأخلاقي والديني والفكري لثقافة مقابل ثقافة أخرى بل داخل المجتمع الواحد، ناهيك عما ارتكب من قبل مجموعات بشرية ضد المجموعات الأخرى من جرائم وممارسات عدائية بشعة تقود للغضب والاستياء وشيطنة كل طرف للآخر، وبالتالي الشعور بالظلم والرغبة في الانتقام ورد الحقوق المغتصبة، مما سيجعل نشر وترسيخ ثقافة التسامح أكبر تحدٍ سيواجه العالم فيما هو قادم من سنوات.
فهناك متطلب إنساني عالمي لفهم أصول التعصب وسياقاته الماضية والحاضرة والمستقبلية المتوقعة، لكي نستطيع أن نشخّص مرض عدم التسامح وعدم تقبل الآخر، وهو داء متروك دون علاج ناجع في الوقت الحاضر، ويعامل كجرم وانتهاك قانوني دون القضاء على جذور المشكلة، حيث لا يعد الترهيب والترغيب حلاً منطقياً لها، مما يخلق إحساساً بالانفصال الدائم بين المجتمعات البشرية. وعلى سبيل المثال، فإنه على الرغم من إلغاء قوانين الفصل العنصري في العالم، لا يزال هناك مستوى ملحوظ من الفصل الشخصي بين السود والبيض في جنوب أفريقيا والولايات المتحدة، وتغذية العداء غير المعلن بالانطباعات والآراء المسبقة عن بعضهم البعض، وافتراضات تتمحور إلى معتقدات وتحيز تدعمه ترسانة واسعة من أسلحة عدم قبول الآخر، وهندسة اجتماعية يقودها الإعلام وعالم الفن والفنون والثقافة والعلوم والتعليم، حيث يعد التعليم القائم على الأساطير العلمية أو التاريخية آلة لا تتوقف لإضفاء الشيطنة على الثقافات الأخرى وتجريدها من إنسانيتها.
فهناك عوامل نفسية واجتماعية متوارثة، وأخرى فرضتها الطبيعة المعاصرة للحياة، لجعل التسامح مجرد شعارات، فعندما يتعلق الأمر بمشاعر الأغلبية فهناك تسامح مقيد، والفرد قد يكون متسامحاً، ولكن عندما لا يمسه الأمر مباشرة، وتأثير المراكز والمؤسسات التي تنشأ لنشر التسامح ضئيل للغاية ويكاد لا يذكر في المجتمع، لكون الحوار المطلوب هو الحوار الشعبي والحوار بين المجموعات البشرية على نطاق واسع، وتوجهات شعبية تتحدى الأفكار التي تقف خلف التعصب وعدم قبول الآخر.
علاوةً على ذلك، في حين أن التعصب ليس جديداً، فقد تم تعزيز الجهود لنشره وتقويته بشكل كبير مع وسائل الإعلام التقليدية وبيئات الوسائط الاجتماعية الحالية، وهو ما يدعونا لتبني الأيديولوجيات المضادة، وجعل الشعوب هي من تقوم بتسويقها بعيداً عن المؤسسات الحكومية الرسمية، والجماهير كفيلة بجعل تلك الأيديولوجيات هي السائدة بين المجتمعات أو بين أكبر قدر منها، أما دور الحكومات فيجب أن يتمركز حول منع الأصوات التي تساهم في تعزيز الفرقة بين أفراد المجتمعات من التأثير السلبي عليها، وإيجاد منصّات ذكية بديلة لمعالجة العزلة وغياب الشعور بالانتماء بين الأجيال المختلفة. 

كاتب وباحث إماراتي متخصص في التعايش السلمي وحوار الثقافات