في الدول الديمقراطية الغربية تتبارز الأحزاب السياسية داخل حلبة الصراع السياسي عن طريق البرامج الموجهة للناخبين، وهؤلاء يقومون بالتصويت لصالح هذا الحزب أو ذاك، والفائز يصل إلى سدة الحكم ويكون مسؤولاً عن تسيير الشأن العام لكل المواطنين، سواء الذين صوتوا له والذين صوتوا ضده. هذا ملخص ما يمكن أن نقرأه في آلاف من صفحات الكتب في مجال علم السياسة، وهذه هي المعادلة الدقيقة لمفهومي تسيير الشأن العام والديمقراطية، أما إذا مثلاً لم تمتثل المعارضة للحزب الفائز أو مجموعة الأحزاب الفائزة التي وصلت للحكم، فهنا يكون المجال السياسي العام في خطر. 
ولعل مثال لبنان اليوم يمكن أن يعطيننا صوراً عن تلك المجالات السياسية العامة التي لا يمكنها أن تستقيم عندما تكون الولاءات للطوائف وليس للدولة الأم التي يجب أن تحضن الجميع في ظل مؤسسات موحّدة وقوانين جامعة ومسؤوليات واحدة. كما أن ما وقع الأمس واليوم في ليبيا والعراق حيث تتداخل عوامل متعددة، منها عمليات التجييش الطائفي، وإشعال وقود التشرذم ورفض الآخر.. هو نتيجة عدم تطبيق القاعدة التي لخصناها في مقدمة المقالة.
والانقسامات التي تحدثها هذه الطرق غير السليمة في مجال علم السياسة تأتي على الأخضر واليابس وتعيش مجتمعاتُها في صراعات لا متتالية. ثم إن هذه الانقسامات قد لا تسلم منها حتى الدول الديمقراطية الغربية وإن كانت درجة تأثيراتها مختلفة عما نجده في بعض الدول العربية، لأن تلك الدول الغربية هي دول مؤسسات. وأفضل مثال يمكن أن نقدمه هنا هو مثال الولايات المتحدة الأميركية، ونحن نتذكر الانقسام الواضح الذي خلّفته الانتخابات الرئاسية الأميركية الأخيرة، والأحداث العنيفة التي تلتها والتي جعلت الرئيس بايدن يقول عند وصوله إلى البيت الأبيض: «سأكون رئيساً يعمل على توحيد الولايات المتحدة التي تعرضت لهزة بسبب حالة الانقسام.. وقد حان الوقت لتنحية اللغة العدائية جانباً والاستماع لبعضنا البعض وإنهاء حالة الشيطنة، هذا وقت التعافي ومداواة الجراح في أميركا». وهذه اللغة الهادئة التي تدعو للتصالح تخفي ما يعانيه المجتمع الأميركي من حالة تخندق وصراع داخل شرائح متعددة من المجتمع. ولعل أفضل مثال حي يمكن أن نعطيه حول مدى الانقسامات السياسية في أميركا، هو قرار محكمة بولاية ويسكنسن الذي برّأ الشاب الأميركي، كايل ريتنهاوس. فالقضية تعكس الانقسام الكبير في البلاد، إذ يعتبرها المحافظون فوزاً لمفهوم الدفاع عن النفس، ويصفها الليبراليون بأنها فشل لنظام العدالة الجنائية. كما أن احتفال «الجمهوريين» بالقرار وسط غضب من قبل «الديمقراطيين» يعكس انقساماً سياسياً لا متناهياً.
والقصة ترجع إلى 23 أغسطس 2020، عندما كانت الولايات المتحدة تشهد مظاهرات ضخمة ضد العنصرية وعنف الشرطة، واندلعت اضطرابات كبيرة في هذه المدينة الواقعة بمنطقة البحيرات العظمى بعد هجوم استهدف مواطناً أميركياً من أصول أفريقية. في ذلك الوقت، كان كايل ريتنهاوس يبلغ من العمر 17 عاماً، وقد جهّز نفسه ببندقية نصف آلية من طراز «إيه-آر 15» وانضم إلى جماعات مسلحة جاءت «لحماية» المتاجر، وأطلق النار فقتل رجلين وجرح ثالثاً. وقال خلال محاكمته: «لم أرتكب خطأ، لقد دافعت عن نفسي فقط»، مؤكداً أنه أطلق النار بعدما طارده هؤلاء الرجال الثلاثة وهاجموه.
لكن المشكلة التي يمكن أن يستحضرها كل طلبة القانون في العالم هي أن كايل ريتنهاوس وضع نفسَه طواعية وعن قصد في موقف الخطر، بمعنى أنه جسد التجاوزات في حق الدفاع عن النفس. 
ولعل تصريحات الرئيس الأميركي الحالي والسابق عن هذه الواقعة تجسد نوعية الانقسامات داخل المجتمع الأميركي، إذ يقول الرئيس الديمقراطي جو بايدن إنه «قلق وغاضب»، لكنه دعا الأميركيين في بيان إلى احترام قرار هيئة المحلفين، وقال: «أدعو الجميع للتعبير عن آرائهم سلمياً مع احترام القانون». أما الرئيس السابق دونالد ترامب الذي سبق له أن دافع علناً عن ريتنهاوس، فقد قال: «تهانينا لإعلان براءة ريتنهاوس». 
آخر الكلام: إن الانقسامات السلبية الدائمة داخل أي مجتمع هي منذر بغياب الثقة وهذه الثقة إذا لم تعد قائمة، فإن التلوث سيصيب المجال السياسي العام، مما يؤدي إلى غياب الوحدة الوطنية في دول مثل لبنان، أو إلى جعل الديمقراطية تفقد توازنها كما هو شأن الولايات المتحدة الأميركية. 

أكاديمي مغربي