عندما تولى ناريندرا مودي منصب رئيس وزراء الهند في عام 2014، أجرى عدداً من الإصلاحات المهمة على خلفية الأغلبية التي يتمتع بها في البرلمان.

واستمر في إدخال إصلاحات في عدد من المجالات طوال السنوات السبع الأخيرة من حكمه. لهذا السبب، كانت مفاجأة عندما أعلن فجأة، في نوفمبر الماضي، إلغاء ثلاثة قوانين زراعية مثيرة للجدل، الأمر الذي تسبب في نزول مئات الآلاف من المزارعين، في مجموعة من الولايات الشمالية، إلى الشوارع للاحتجاج. فقد نزل مزارعون من ولايتي البنجاب وأترابراديش وغيرهما إلى الشوارع احتجاجاً على ثلاثة قوانين للإصلاح الزراعي، الأول قانون اتفاقية ضمان الأسعار وخدمات المزارع (التمكين والحماية)، والثاني قانون تجارة منتجات المزارعين (الترويج والتيسير)، والثالث قانون تعديل السلع الأساسية. وكان قد تم سن هذه القوانين للمساعدة في تعزيز الزراعة وجذب الاستثمارات الخاصة إلى قطاع يمثل فيه تعزيز الإنتاجية تحدياً.

وقد جادلت الحكومة بأن جميع قوانين الإصلاح الزراعي الثلاثة ستجلب الاستثمار الخاص الذي تشتد الحاجة إليه في الزراعة. وكان من شأن هذه القوانين أن تؤدي إلى تفكيك أسواق الجملة التي تنظمها الحكومة والوسطاء أو وكلاء العمولات، وستسمح للمزارعين بالبيع مباشرةً إلى الشركات الخاصة. لكن قطاعات كبيرة من المزارعين كانت تعتقد أن هذه القوانين ستضعهم تحت رحمة الشركات الكبرى. وفي خطابه مؤخراً للأمة، ألمح رئيس الوزراء مودي إلى عدم قدرته على نقل مزايا قوانين الزراعة للمزارعين المحتجين، واعتذر عن سن القوانين الجديدة، وحث المتظاهرين على إنهاء الاضطرابات والعودة إلى بيوتهم وأراضيهم. ومع توضيح أن حكومته قد اتخذت خطوةً لمساعدة المزارعين، أقر بأنه من المؤسف أن الحكومة لم تستطع إقناع قطاع من المزارعين بالقوانين التي تم إقرارها حديثاً وبأن القوانين الثلاثة سيتم إلغاؤها في الجلسة القادمة للبرلمان، والتي من المقرر أن تبدأ في نهاية هذا الشهر. واعتبر المزارعون الذين احتجوا على مدار العام الماضي أن ذلك يمثل انتصاراً كبيراً، مما يؤكد قوتهم في بلد لا يزال 70% من أسره الريفية تعتمد بشكل أساسي على الزراعة لكسب عيشها. في جميع أنحاء البلاد، يعد 82% من المزارعين من أصحاب الأراضي الزراعية الصغيرة والهامشية.

وما تزال المحصلة النهائية هي أن الزراعة في الهند بحاجة إلى إصلاحات وسط فشل في تعزيز الإنتاجية. وتتراوح المشاكل التي يواجهها القطاع بين الاعتماد على الأمطار من أجل الري وتزايد تكلفة مواد مثل الأسمدة والبذور. ولا تمثل الزراعة سوى 15% من الناتج المحلي الإجمالي، حيث تُثقل القروضُ كواهل المزارعين. ويُنظر إلى الخطوة التي اتخذتها حكومة حزب بهاراتيا جاناتا بإلغاء القوانين على أنها مرتبطة بالثروات الانتخابية في انتخابات الولاية المقبلة في أكبر ولايتين مأهولتين بالسكان وهما البنجاب وأترابراديش، وذلك لإرضاء المزارعين الذين تم إبعادهم بسبب القوانين الجديدة وجذب أصواتهم في انتخابات الولاية التي تعد حاسمةً. ويأمل حزب بهاراتيا جاناتا في الاحتفاظ بالسلطة في ولاية أترابراديش وهزيمة المنافسين في البنجاب حيث يتولى «حزب المؤتمر» السلطة هناك حالياً.

كما يُنظر إلى إلغاء القوانين الثلاثة باعتباره خطوة استراتيجية لمنع أي ميل للتوازن تجاه المنافسين الذين كانوا يركزون على الاحتجاجات ضد القوانين. ويذكر أن الاحتجاجات التي قام بها المزارعون على مدى عام كامل قد أدت إلى سقوط عدة مئات من القتلى. وكانت التقارير قد أشارت إلى أن الحالة المزاجية المناهضة لحزب بهاراتيا جاناتا بين المزارعين آخذة في الارتفاع وتمثل مشكلةً للحزب الحاكم، لا سيما في ولاية أترابراديش. وكثيراً ما يقال إن جميع الطرق المؤدية إلى السلطة تبدأ من ولاية أترابراديش التي ترسل أكبر عدد من المشرعين إلى البرلمان، حيث يوجد لها 80 عضواً في مجلس النواب. لذا فإن احتفاظ بهاراتيا جاناتا بهذه الولاية القوية سياسياً أمر بالغ الأهمية في حساباته، حيث تأثر حوالي 100 من مقاعد المجلس التشريعي المحلي البالغ عددها 403 في ولاية أترابراديش بشكل مباشر باحتجاجات المزارعين هناك. وفي انتخابات 2017، فاز حزب المؤتمر بسبعة مقاعد فقط، بينما فاز حزب بهاراتيا جاناتا بـ312 مقعداً. وبينما يبقى أن نرى كيف يتم تنفيذ هذا القرار على المستوى الانتخابي، ليس هناك شك في أن مناشدة مودي مباشرةً للمزارعين في خطاب للأمة تمثل أيضاً لفتة قوية.

يقوم الحزب الحاكم الآن بالترويج لإلغاء القوانين كتصحيح للمسار، بينما تروج المعارضة لهذه الخطوة على أنها هزيمة للحزب الحاكم. فهذه الخطوة تُظهر المخاطر الكبيرة التي تواجه انتخابات مجلس النواب في الهند. ومن جانبهم، قال المزارعون إنهم لن يغادروا مواقع الاحتجاج إلا بعد إلغاء القوانين في البرلمان، مما أظهر قوتهم التصويتية كناخب مؤثر.

*رئيس مركز الدراسات الإسلامية- نيودلهي