بعد انتهاء الانتخابات العراقية، يتطلع العراقيون إلى حكومة جديدة، تستطيع مواجهة تحديات كبيرة في توفير الاستقرار السياسي والأمني، ومكافحة الفساد، ووقف الهدر المالي بضبط أبواب الإنفاق، وتوفير حوافز الاستثمار الإيجابي، لجذب المستثمرين المحليين والعرب والأجانب. وذلك في ضوء الرهان على تطور علاقات العراق الخارجية، بعد نجاح مؤتمر «قمة بغداد للتعاون والشراكة» في أغسطس الماضي، وفي إطار خطة إنعاش اقتصادي، بتطوير خطط استثمارية تستهدف رفع إنتاج النفط على مرحلتين: الأولى من 4.5 مليون برميل يومياً في الوقت الحالي، إلى 6 ملايين برميل بعد عام 2023، والثانية إلى 8 ملايين برميل بنهاية عام 2027.

وقد تم توقيع عقود مع بعض الشركات لحفر131 بئراً نفطية جديدة. وبما أن إيرادات النفط تشكل أكثر من 93% من الإيرادات العامة، ومع ارتفاع سعر البرميل إلى نحو 75 دولاراً، أي بزيادة 30 دولاراً عن السعر المعتمد في موازنة العام الحالي، فقد تمكن العراق من زيادة احتياطي البنك المركزي إلى أكثر من 60 مليار دولار، وسد جزء كبير من العجز المالي، ويأمل أن تحقق موازنة العام المقبل، والتي لن تقل أرقامها عن 80 مليار دولار، توازناً بين الإيرادات والنفقات.

وفي حال حملت عجزاً، فستتم تغطيتُه من الفرق في سعر البرميل الذي قد يتجاوز 85 دولاراً، وفق تقديرات بنك «مورغان ستانلي»، وربما إلى 90 دولاراً، وفق تقديرات بنك «غولدمان ساكس». وفي ظل الارتياح المالي لحكومة بغداد، سجل الدين الخارجي للعراق انخفاضاً من 133 مليار دولار عام 2020 إلى نحو 20 مليار العام الحالي.

ويؤكد محمد صالح مستشار رئيس الوزراء أن العام 2022 سيكون خالياً من الصعوبات المالية والقيود التمويلية. لكن يبدو أن الدَّين الداخلي، والمقدر بنحو 50 مليار دولار، ما زال هو الأكبر، غير أن مخاطره قليلة، كونه يبقى محصوراً في النظام المالي العراقي نفسه.

أما الدَّين العام فيقدر بنحو 113 مليار دولار، منها 40 مليار دولار ديون معلقة لصالح 8 دول منذ ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، وهناك 23 مليار دولار ديون خارجية لمشاريع تنموية قدمتها صناديق عالمية.

ولعل الأهم من التطورات المالية، وفي إطار السيادة، يبرز استعداد العراق للخروج من قيود الفصل السابع للأمم المتحدة، بعدما يكون قد سدد 52.4 مليار دولار، بدل تعويضات للمتضررين الذين تكبدوا خسائر ناجمة عن غزو الكويت في أغسطس 1990.

وقد دفعت بغداد مؤخراً 490 مليون دولار، أُودعت في حساب لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، على أن تسعى لتسديد الدفعة الأخيرة والبالغة 629 مليون دولار في مطلع العام المقبل.

لقد خضع العراق للفصل السابع منذ31 عاماً، بعد غزو الكويت، وسمح ذلك للأمم المتحدة باستخدام القوة العسكرية ضده، في حال تصرف بطريقة تسيء إلى الأمن والسلم الدوليين، إضافةً إلى عقوبات اقتصادية وتجميد للأموال، ومنع التجارة إلا في الحدود الدنيا، وقطع العلاقات الدبلوماسية.

وقد قيدت كل هذه الإجراءات حركةَ العراق، وحدت من استخدامه لموارده وفق ما تقتضيه مصالحه الاقتصادية وعلاقاته الدولية. ولذلك فهو يتطلع الآن، بعدما تحرر من تلك القيود، إلى إطلاق ورشة استثمارية كبرى، في إطار خطة إعادة الإعمار بتكلفة قدرت بنحو 100 مليار دولار، على أن يتم التمويل عبر ثلاثة مسارات: الأول من الموازنات الاستثمارية وبرامج تنمية الأقاليم، والثاني من القروض الدولية، والثالث من خلال الاستثمار، وفق اعتماد برنامج للتنمية المستدامة، واستراتيجية للتخفيف من الفقر، واستراتيجية ثانية لتطوير القطاع الخاص، لغاية عام 2030.

*كاتب لبناني متخصص في الشؤون الاقتصادية