يعمد رموز وكوادر «الإخوان» إلى ازدواجية الخطاب وتناقض الأفكار بغية كسب الأتباع وترسيخ فكرة المرونة ومواكبة الجو الاجتماعي العام في العالم من ناحية، وتمرير التمسك بفتاوى التشدد الديني من ناحية أخرى، إرضاءً لأطرف تتكيف وهذه الفتاوى. وبين هذه الأفكار المتحررة وتلك المتشددة تقية سياسية من جانب حزب أصولي يرمي إلى الفوضى ونشر أفكاره المتطرفة.
في عام 1995 اتُّهم «الإخوان» في مصر بالتآمر لقلب نظام الحكم، وتاريخ 31 يناير 1995 وجّه مرشدهم محمد حامد أبوالنصر خطاباً للرئيس المصري الراحل حسني مبارك مدافعاً فيه عن أهداف «الإخوان»، حيث قال: «إنّ الجماعة تحترم الدستور المصري، وهذا الدستور يكفل للإخوان الحق في ممارسة دورهم في النظام الديمقراطي، دونما قيود، وأنّهم يسعون للسلطة في ظلّ التعددية، دونما تأثيم أو تجريم». ثم استدرك: «إلا أنّ الإخوان رغم كلّ هذا، لا يسعون إلى السلطة، كما أنّ السلطة ليست من أهدافهم». وهذا الخطاب المتناقض يمكن اختصاره بتدرج موقف جماعة «الإخوان المسلمين» من ثورة 25 يناير في مصر الذي اتسم بالتناقض الفج، بدءاً بتأكيدهم عدم المشاركة في التظاهرات، وأنه لا أهداف سياسية لديهم تضطرهم للمشاركة في الثورة، ثم اعتبار مشاركات بعض الشباب في التظاهرات مشاركات فردية، مروراً بخروجهم للتظاهرات ودفع المواطنين لها وصولاً إلى تسلق الجماعة على الثورة، مستفيدةً من إرث صوّرت فيه نفسها، باعتبارها جماعة تتعرض للاضطهاد على مدى عقود، حتى وصلت الجماعة إلى كرسي الرئاسة ليتم اقتلاعها منه، وتصبح اليوم جماعة محظورةً، ليس في مصر فقط، ولكن في عدة بلاد عربية أخرى. 
وفي 29 نوفمبر 1934 نشر حسن البنّا «مؤسس الجماعة» بياناً في مجلة «الإخوان المسلمين» يحدد فيه الهوية الفكرية للجماعة بأنّها «فكرة جامعة تضم كل المعاني الإصلاحية؛ فهي دعوة سلفية وحقيقة صوفية وهيئة سياسية، أو جماعة رياضية، ورابطة علمية وثقافية وشركة اقتصادية». وبعد نحو أربع سنوات من كتابة هذا البيان، أدركت الجماعة أنه قد حان الوقت للدخول إلى غمار السياسة، فقررت إعلان ذلك في مؤتمرها العام الخامس 1938، وحينها قال البنّا: «سننتقل من حيّز الدعوة الخاصة إلى الدعوة العامة أيضاً، ومن دعوة الكلام وحده إلى دعوة الكلام المصحوب بالنضال والأعمال، ولسنا بذلك نخالف خطتنا أو ننحرف عن طريقنا بالتدخل في السياسة، كما يقول الذين لا يعلمون». 

هذا من ناحية الشأن السياسي الذي جاء وفق خطاب مزدوج يتيح للجماعة خيارات المواجهة مع أي نظام سياسي، أما في الشأن الاجتماعي، فإن الجماعة تدرك جيداً أهمية المرونة في أوقات معينة وحسب المكان والمرحلة، فالجغرافيا تحكم الفكر الإخواني المتأسلم، وتحد تحركه البراغماتي، ففي أوروبا مثلاً ينسجم الخطاب الديني الإخواني مع مرونة الحياة وانفتاحها حد الترويج للأفكار التي تجرّمها الجماعة في دول عربية وإسلامية، ففي حين ينسجم خطابُهم المهادن مع النمط الغربي لدرجة قبول المثليين والتغاضي عن العلاقات خارج إطار الزواج، فإنها في الوقت ذاته تقوم بإنكار ذلك وتغليظ الفتاوى بشأنه في أقطار عربية وإسلامية.
وتلجأ جماعة الإخوان المتأسلمين إلى وضع إطار فضفاض لفكرها بأساليب تمكّنها من التعاطي مع أي ظرف سياسي واجتماعي، وذلك بترسيخ خطاب التقية المتناقض الذي تحاول من خلاله أن تمرر صورةً لها كـ«جماعة سلمية تنتهج العمل الديمقراطي»، وأن أفكارها التي تطرحها «إصلاحية معتدلة».. وفي حال الشعور بانحسار الخطر حولها، تبدأ الجماعة باستئناف نشاطها ونشر خطابها، وترديد المقولات الثورية والتغيير الجذري في الأوطان ومساومة الأنظمة السياسية، وإثارة الفوضى تحت شعارات فضفاضة تستوعب تطلعات الشرائح المتعددة، بل تتجاوز ذلك بالعمل على تعزيز ودعم الجماعات الإرهابية بالترويج لأفكارها وأعمالها الإرهابية تحت غطاء الدين وضمانات الحقوق، كما فعلت أثناء ثورات «الربيع العربي» والتقارب مع أفكار الجماعات المتطرفة ونشر أفكارها، مثل «داعش» و«القاعدة» وغيرهما.
إن هذا الازدواج بين المسارين الإصلاحي المعلن والعنفي المضمر، هو الذي عمّق هوة الثقة في فكر الجماعة، وأدى إلى تراكم أزماتها وحال دون صياغة إطار فكري شفاف أو خلق هوية واضحة لـ«الإخوان».. لذلك أصبح التناقض وازدواجية الخطاب سمة ملازمة لهم ورداءً لا يستطيعون الخروج منه!

كاتبة سعودية