استقرار الدولة خيارٌ واستقرار الفوضى مثله، والناس بين هذا وذاك يتنقلون في مساحاتٍ ومواقف فرديةٍ وجماعيةٍ، بعضها بوعيٍ في انحيازها لأحد الخيارين وبعضها من دونه، والأحداث سريعةٌ والتاريخ حَكمٌ.

مصر هي أشهر النماذج التي انحرفت قبل عقدٍ من الزمن نحو خيار الفوضى واستقرار الفوضى، ولم تستطع الخروج منه إلا بتكاتف جيشها وشعبها وبوقوف السعودية والإمارات معها في وجه كل التحديات، وهي نموذج يجب أن يبقى حاضراً في الأذهان حتى لا تتكرر المشاهد ولا يعيد التاريخ نفسه.

دولة السودان تشهد في هذه المرحلة الحساسة من تاريخها ما يشبه ما جرى في مصر وغيرها من الجمهوريات العربية عام 2011، حيث تبدو «الفوضى» سيدة الأحكام لدى بعض التيارات والجماهير، وفي خيار الفوضى ينتشر المخرّبون، ويتطرف المتطرفون في كل الاتجاهات، وينشد بعض الأفراد والجماعات المستحيل، لأن الخيالات لا تحدّها حدودٌ، وتتضخم المطالبات وتنتشر أفكار التآمر والتآمر المضاد، ويكون الغائب الأكبر هو العقل وأحكامه والواقع وإمكاناته. في السودان 2021 و2022 هناك تياراتٌ تتبنّى الفوضى كخيارٍ، وهناك تياراتٌ يتمّ دفعها لهذا الخيار داخلياً وخارجياً، وهناك تياراتٌ تختار الفوضى لأسبابٍ مختلفةٍ، منها الجهل بما يجري والعجز عن فهمه وبناء تصورٍ محكم حوله، ومنها البحث عن دورٍ أو مصلحة لتيارٍ أو أفرادٍ، ومنها تفشي الإحساس بوجود «مؤامرةٍ» ما، مبهمةٍ وخطيرةٍ، وكل يقدم لها تفسيراً وتأويلاً، ولكن هذا كله مضرٌ بحاضر السودان ومضرٌ أكثر بمستقبله. لن تنهض السودان، دولةً وشعباً، إلا بعودة استقرار الدولة، فالفوضى بكل أصنافها وأشكالها وأهدافها لا يمكن أن تصنع «دولة» ولا أن تحافظ عليها، بل تجعلها نهباً للأعداء والخصوم، من الداخل والخارج، وفي خيار الفوضى يبدو الجميع باختلافاتهم قادرين على «الهدم» و«التخريب» و«الرفض»، ولكن ليس على «البناء» و«الوعي».

الدول العربية القائدة والرائدة كالسعودية والإمارات تدعم «استقرار الدولة» في السودان، وتعرف مغبة الفوضى واتخاذها خياراً على الدول والشعوب، ومن هنا فهي تدعم «الدولة» و«الشعب» في السودان للاتجاه نحو الاستقرار وتدعم خيارهما معاً لرفض «الفوضى» وأنها -على كل الأحوال- خيارٌ سيئٌ وتبعاته تنهي الدول وتنهك الشعوب وتدمّر المستقبل.

استطاع السودان تجاوز «الحكم الأصولي» الإخواني الذي سيطر عليه لثلاثة عقودٍ من الزمن، ويجب عليه أن يعرف شرور «خيار الفوضى» قبل أن يستحكم لأن الانعتاق من «الفوضى» لا يقلّ أثراً وتحدياً عن الانعتاق من «الأصولية»، فكلاهما مؤثرٌ في الواقع والمستقبل، وفي اللحظات التاريخية كالتي يعيشها السودان اليوم يصبح «الوعي» شرطاً أساسياً لتجاوز المرحلة وصناعة الغد.

الشعب السوداني شعبٌ واعٍ ومثقفٌ، وهو يحتاج أن يقرأ بتمعنٍ وحكمةٍ ما جرى في بعض الدول العربية إبان ما كان يعرف بـ «الربيع العربي» وكيف لم تزل «الفوضى» حاضرة في بعض الدول التي عصف بها ذلك الربيع المشؤوم، وليبيا واليمن مثالان حاضران بقوة في المشهد الحالي، والعاقل يتابع ويقارن ما يجري ليحدّد خياراته ويرسم مستقبله.

قارئ التاريخ وراصد حراكه يستطيع إدراك أن «الشعارات» و«المزايدات» هي أساس الفوضى، حيث يستطيع الجميع أن يحلم بلا حدود وأن يتمنى بلا سقف، وتفشي «الأماني» أو «الأوهام» لا يبني الدول ولا يثبت الاستقرار ولا ينمّي الدول والمجتمعات، بل هي وصفة للتخلف والتقهقر الحضاري وارتكاسٌ في التاريخ، والوقوع فيها يجعل سبيل النجاة منها صعباً ومكلفاً.

ختاماً، «الدولة» و«الحكومة» و«الشعب» في السودان بحاجة إلى الوحدة والتوافق في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ السودان الحديث، وهي مرحلة لها ما بعدها، وبحاجة أكثر لتحكيم العقل وإدراك الواقع.

* كاتب سعودي