تعيش سريلانكا في خضم أزمة مالية وتوشك على إفلاس محتمل بعد انخفاض حاد في عملة البلاد أدى إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية. وأعلنت الحكومة السريلانكية عن حزمة إغاثة اقتصادية بلغت قيمتها 1.2 مليار دولار، كما أعلنت أن البلاد لن تتخلف عن سداد التزاماتها الدولية. وبدأت الأزمة في سريلانكا بالظهور في أغسطس الماضي حين أعلنت البلاد حالةَ الطوارئ. فقد بدأ التضخم في التصاعد بعد انهيار الروبية السريلانكية. وانتشر التأثير في كل مكان، فأدى إلى زيادة أسعار المواد الغذائية. ومن ثم، أُعلنت حالة الطوارئ الاقتصادية في أغسطس لمنع تخزين المواد الأساسية، وتم استدعاء الجيش لإدارة الأزمة القائمة لتقنين حصص السلع الأساسية المختلفة. 
ونتج التباطؤ الاقتصادي في سريلانكا عن جائحة «كوفيد- 19» التي قلبت موازين الاقتصادات في جميع أنحاء العالم. لكن الوباء فاقم في الواقع نقاط الضعف المتأصلة في الاقتصاد السريلانكي الذي تضرر من أزمة الصرف الأجنبي، والتي أثَّرت على استيراد الوقود والأغذية والعقاقير. وتمثل السياحة المصدر الرئيسي للعائدات والعملات الأجنبية وتشكل نحو 10% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وقد تسببت الجائحة في توقف السياحة وانخفاض احتياطي النقد الأجنبي من أكثر من 7.5 مليار دولار في 2019 إلى حوالي 2.8 مليار دولار في يوليو 2021. ونتيجةً لانعدام السياحة تقريباً والإنفاق على استيراد المواد الغذائية الأساسية، انخفض احتياطي النقد الأجنبي للبلاد إلى 1.6 مليار دولار في نوفمبر 2021، مما أدى إلى انخفاض أكبر في قيمة الروبية السريلانكية. 
والحظر المفاجئ على استخدام الأسمدة الكيماوية في الزراعة بهدف التحول إلى الزراعة العضوية، زاد طين أزمة الغذاء في البلاد بلةً. وكان الرئيس السريلانكي قد أعلن العام الماضي أن خطته ترمي لجعل سريلانكا أول دولة عضويةَ الغذاء بالكامل من خلال تحويل الزراعة إلى نمط الإنتاج العضوي. لكن الخطة أدت في النهاية إلى انخفاض الإنتاجية، مما فاقم أزمة الغذاء. وبالتالي تراجعت الحكومة في أكتوبر الماضي عن خططها الطَّموح للزراعة العضوية، وتراجعت عن قرارها بحظر استيراد الأسمدة الكيماوية. وكان قرار اتباع نمط الزراعة العضوية قد أثَّر بشدة على إنتاج الشاي الذي يعد ثاني مصدر رئيسي للحصول على النقد الأجنبي بالنسبة لسريلانكا التي تصدّر شاياً بقيمة 1.3 مليار دولار سنوياً، وكان التحول المفاجئ إلى نمط الزراعة العضوية قد أدى إلى انخفاض في جودة الشاي السريلانكي. 
وأعلنت الحكومة مسؤولية الجائحة عن أزمة البلاد نتيجة تضرر قطاعات رئيسية أخرى مدرة للدخل، مثل الملابس والتوابل وتحويلات المغتربين. لكن الاقتصاديين والمراكز البحثية يحمِّلون الحكومة مسؤولية الأوضاع نتيجة سياساتها وما أدت إليه من تفاقم الأزمة، ويرون أن الأزمة تفاقمت بسبب ارتفاع الإنفاق الحكومي وخفض الضرائب، مما أدى إلى ضياع عائدات الحكومة ووصول احتياطات النقد الأجنبي إلى الحضيض.
وفي إطار الجهود المبذولة للتعامل مع الأزمة، طلبت سريلانكا من الصين إعادة جدولة سداد ديونها خلال زيارة لوزير الخارجية الصيني للبلاد. وكانت الصين قد أقرضت سريلانكا أكثر من خمسة مليارات دولار لإقامة مشروعات بناء طرق وموانئ وميناء جوي. وطلبت الحكومة السريلانكية كذلك شروطاً «ميسرةً» على الواردات الصينية التي بلغت حوالي 3.5 مليار دولار العام الماضي. وأشارت تقارير إلى أنه يتعين على سريلانكا سداد ديون تبلغ قيمتها حوالي 4.5 مليار دولار هذا العام ابتداءً من الشهر الجاري. لكن البنك المركزي أخبر المستثمرين بأنه سيتم الوفاء بسداد أقساط ديونهم. وذكرت تقارير أن الديون الخارجية لسريلانكا تهيمن عليها أيضاً قروض السوق التي تم الحصول عليها عن طريق السندات السيادية الدولية التي تقارب نصف إجمالي الدَّين الخارجي للدولة. وتستعد الحكومة لسداد 500 مليون دولار لاحقاً هذا الشهر، وهناك مليار دولار أخرى مستحقة السداد بحلول يونيو. والالتزام بالسداد قبل المواعيد النهائية يعني ألا تجد سريلانكا دولارات كافية تستورد بها الضروريات من الغذاء والوقود والإمدادات الطبية. 
وتحولت المشكلات الاقتصادية في سريلانكا الآن إلى قضايا إنسانية مع سقوط قطاع من السكان في براثن الفقر بسبب التضخم القياسي الذي أدى إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية. وذكر البنك الدولي أن خمسة ملايين شخص سقطوا تحت خط الفقر أثناء الجائحة مع تفاقم المشكلات الاقتصادية. وتحدثت تقارير عن عدم توافر مواد أساسية في المتاجر. ومن الحلول الرئيسية لمشكلة سريلانكا التي يجري التفكير فيها التفاوض على صفقة مع صندوق النقد الدولي لمساعدة البلاد على الخروج من الأزمة الحالية. وأكدت الحكومة أنها ستتغلب على الأزمة، لكن علينا الانتظار حتى نرى ما سيحدث. ومن الواضح أن البلاد في حاجة ماسة إلى خطة إنقاذ لمعالجة الأزمة في وقت لم تُظهِر فيه الجائحة إلا القليل من علامات الانحسار.

رئيس مركز الدراسات الإسلامية في نيهودلي