بما أنه لا يمكن فصل الاقتصاد عن السياسة، فإن لبنان يعاني من تداخل وثيق بين تداعيات التطورات السياسية والاقتصادية. وإذا كان فشل المنظومة السياسية في إدارة شؤون البلاد، مع تغطيتها للفساد وهدر المال العام، وهي تواصل عرقلةَ تنفيذ الإصلاحات الحاسمة، لاسيما ما يتعلق منها بالتدقيق الجنائي لكافة المؤسسات، وفي مقدمها البنك المركزي، وكذلك تأخير الموافقة على قانون مراقبة رأس المال، فإن «جنون الدولار» سيتجه صعوداً مع «جنون السياسة»، وبلا أفق، بما يرفع سعر صرف الدولار إلى مستويات خطيرة، في ظل مؤشرات اقتصادية واجتماعية قد تؤدي إلى مخاطر أمنية. 
وتكفي قراءة الخط البياني لارتفاع سعر الصرف من 20 ألف ليرة للدولار في سبتمبر الماضي إلى نحو 33 ألف ليرة في يناير الحالي (أي نحو أربعة أشهر)، ومع استمرار المؤشرات السلبية، لمعرفة أنه مرجح أن يستمر في الصعود ليتجاوز 45 ألف ليرة في مايو المقبل، وهو الشهر المرتقب أن يشهد انتخابات نيابية لاختيار منظومة سياسية جديدة تتولى حكم البلاد، وتنفيذ خطة الإصلاحات المطلوبة في مرحلة التعافي الاقتصادي. 
لقد بدأ لبنان العام الحالي، حاملاً مؤشرات سلبية خطيرة، مع انكماش تراكمي بنسبة 45% خلال الفترة الممتدة من 2018 إلى 2021. وارتفع معدل التضخم إلى 206% نتيجة انهيار سعر صرف الليرة وتأثيره على الأسعار، وتضاعف عجز الحساب الجاري من ثلاثة مليارات دولار عام 2020 إلى 6.2 مليار عام 2021. وقد أدى ذلك إلى انخفاض احتياطي البنك المركزي من 18 مليار دولار إلى 13 ملياراً، منها 12 مليار دولار للمصارف التجارية في شكل احتياطي إلزامي. كما زادت الهوة بين الفقراء والأثرياء، وأصبحت نافرة أكثر وظاهرة للعيان. مع العلم أنه لا يمكن تقدير الفقر تبعاً للقواعد المتعارف عليها والمتعلقة بالدخل، لأن التدهور شديد جداً، وكل ما يحصل حالياً يسير نحو تدهور أشد. والأخطر من ذلك أنه يحصل في ظل تحول اجتماعي وتفاوت في الدخل سيتحول إلى ظاهرة دائمة وثابتة في لبنان، بين قلة محدودة مستفيدة وغالبية ساحقة وضعها سيئ وستبقى بحاجة للمساعدة، بما يشير إلى أن هذا البلد دخل في مسار يأخذه نحو عشرات السنين من الفقر الهيكلي الشديد والعميق، أي إلى فقر سيصبح مستداماً.
ومن الطبيعي وفق التحضيرات المتواصلة، أن تبدأ قبل نهاية الشهر الحالي مفاوضات جدية مع بعثة صندوق النقد الدولي التي ستزور لبنان لعدة أسابيع، تجري خلالها مباحثات تشمل «حزمة إنقاذ» تعتمد عليها الآفاق الاقتصادية للسنوات المقبلة. ونظراً لصعوبة موقف لبنان، فإن أكثر ما يطمح إليه هو توقيع «تفاهم مبدئي» أو «اتفاق إطار» بنهاية فبراير المقبل، يستهدف الوصول إلى اتفاق نهائي بعد قيام الحكومة بمجموعة من الإصلاحات تشمل ملفات محددة، لكن لا يوجد أي مؤشر للتفاؤل بتحقيق ذلك قبل إنجاز الانتخابات النيابية المرتقبة، والتي يركز عليها المجتمع الدولي لاختيار مجموعة من المشرِّعين الجدد في البرلمان. 
وهكذا يواجه لبنان تحديات قاسية، في ظل حصار دولي يمنع عنه تدفق الأموال، ولاسيما الدولار الأميركي، ويطالبه بالإصلاح الذي يخفي «الهدف السياسي» المتحكم بالقرار الحكومي والمهيمن على مفاصل الدولة. وإذا كانت القوى الدولية مهتمة بإصلاح المؤسسات فقط من أجل الإصلاح، فلماذا استمرت في دعم المنظومة السياسية وتمويلها خلال ثلاثة عقود متتالية، وهي منظومة فاسدة؟
يبدو أن قفزات سعر صرف «دولار لبنان» مع تداعيات الانهيار المالي والاقتصادي، هو«هدف سياسي»، والمنظومة السياسية الحاكمة شريكة في هذه اللعبة، لتحقيق أهداف محددة تقتضيها تطورات الصراع الإقليمي والدولي في منطقة الشرق الأوسط. 

كاتب لبناني متخصص في القضايا الاقتصادية