افتتح أحد الأصدقاء مطعماً واستقدم طبّاخاً من إحدى الدول، ووجده بروفيسوراً أمام القدور، لكنه لم يلتحق قط بمدرسة مراعاة الأصول المهنية، فألحقه بدورة متقدمة في فن الطبخ في إحدى الفنادق الكبرى.

وبعد أيام دخل المطبخَ ليتفقَّد سيرَ العمل، وفوجئ بالطبّاخ يأتي من الباب الخلفي الذي يؤدي إلى حمامات العاملين وهو يضع القفاز الأصفر في يديه، فسأله عن ذلك، فقال مثل تلميذ يحكي لوالده ما تعلمه في المدرسة: أخبرونا في الدورة بضرورة ارتداء القفاز أثناء العمل. هل ذكروا لكم سبب ذلك؟ سأله. فأجاب الطبّاخ: كلا.

فسأله: وبرأيك، لمَ طلبوا منكم ذلك؟ فقال بعفوية وبعد قليل من التفكير: لئلا تتسخ أيدينا عند إعداد الطعام. يقول صديقي إن الطبّاخ كان صادقاً معه فيما خلص إليه، ذلك أن أحداً لم يوضّح له أنّ الغاية من ارتداء القفاز هي ألا تنتقل الجراثيم من أيدي العاملين إلى الأطعمة التي تذهب في بطون الزبائن، وأنه ربما استنتج الفكرة من المريلة التي يرتديها الطبّاخون لئلا تتسخ ثيابهم، وربما يعتقد أنّ القبعة التي يضعها على رأسه هي أيضاً لحماية شعره من التقصّف وليس لمنع تساقط شعره في قدور الطعام. وهكذا أي موظف أو عامل، ما لم يعرف سبب القرار الذي يُطلب منه الالتزام به، فقد يفسّره بطريقته، ثم ينفّذه بالشكل الذي يتوافق مع تفسيره له، فتكون النتيجة عكس ما توخى صاحبُ القرار.

ويقول صديقي إنه بات يشرح لهم كل شيء، ولا يهم إن اقتنعوا أم ضحكوا في قرارة أنفهسم منه، فسيان اقتناعهم وعدم اقتناعهم، المهم أن يعرفوا أسباب أي قرار من قراراته لئلا يضعوا أسباباً أخرى، ثم ينفذوا القرارَ استناداً إلى أسبابهم، ومتى لم تتوافر الأسباب التي وضعوها بأنفسهم، لم ينفذوا القرارَ وهم على اقتناع تام بأنهم على حق. وقال إنه طلب منهم مثلاً ألا يحاولوا تخطئةَ الزبون الذي يقفز في مكانه وهو يصرخ مشيراً إلى طبقه: شعرة.. وأنّ عليهم المبادرة إلى الاعتذار للزبون ولملمة الموضوع في هدوء. أما عن السبب في طلبه هذا، فقد قال لهم إنّ خسارة زبون واحد خيرٌ من خسارة كل الزبائن الموجودين في المطعم في ذلك الوقت، خصوصاً أنّ هذا الزبون لن يعود إلى المطعم سواء كان محقاً في شكواه أم اكتشف أنه كان مخطئاً بعد جدالكم معه، لأنه سيبدو في نظركم إنسان متسرّع.

ولو لم يفسّر لهم طلبَه منهم عدمَ مجادلة هكذا زبون، فقد يعتقد العمال أنّ السبب هو خشية ربّ العمل على سلامتهم الشخصية، وأنّ الزبون قد يعتدي بالضرب عليهم إذا ما تجادلوا معه، ومن ثم إذا كان الزبون الذي صرخ هزيلاً، أو لم يكن ثمة مجال لاستخدامه العنف، فيمكن الجدال معه وإثبات أنه المخطئ.

ما لم يفهم الموظف حيثيات القرار الذي عليه الالتزام به، فإنه قد يضع حيثياته من عنده، فهو ليس آلةً لا تفكر ولا تناقش، وإذا لم يكن القرار مصحوباً بعملية تفكير ونقاش، فإنه سيؤدي هذه العمليات بينه وبين نفسه، وسينفذ القرار بطريقته، مستهدفاً بالقرار الغاية التي توصل إليها بنفسه.

*كاتب إماراتي