في السيرة الذاتية ليس مثل روسو الذي قال كل شيء في كتابه «اعترافات»، فهو نفسه يقول إنه مع انطلاق آخر صيحات بوق البعث، سيقف وكتابه بين يديه، ففيه كل ما فعل وما فكّر وما كان.

ورغم أنّ البوح الأوروبي صار من دون سقف، فيبدو أنّ مسطرة الأوروبيين ليست واحدة، فقد صُدم المجتمع النرويجي بأحد أبنائه وهو يقول كل شيء عبر سيرة روائية من أجزاء بعنوان «كفاحي»، مما تسبّب في مطاردة الإعلام لأفراد عائلة كاتبها كارل كناوسغارد.

أما لويس عوض، المفكّر والمؤلف وأحد رموز النقد، والذي يوصف بوريث طه حسين، فرغم أنه لم يقل كل شيء، فالقدر الذي قاله كاد أن يهدم كيان أسرته الشرقية العربية.

فقبل أسابيع من وفاته في عام 1990 (عن 76 عاماً)، ظهرت في الأسواق مذكراته التي أدخل فيها تاريخَ أسرته وأحوالَها ضمن تاريخ مصر السياسي والاجتماعي وأحوالها الدينية والاقتصادية.

وكتاب «أوراق العمر» فاكهة لذيذة للقارئ، لكنه كالسّم لأسرة الدكتور لويس، فقد وضع على طاولة التشريح أقاربَه من الدرجة الأولى وحتى الرابعة، بالاسم والهيئة والوظيفة، كنوع من «البروفايل».

فهذه الأخت قبيحة، وتلك «عبيطة»، وهذه الخالة أرملة مسترجلة، وتلك متزوجة من لص، وطانيوس زوج ابنة شقيقته مادلين كان يضرب موظفيه في البنك، وساءت علاقته بها حتى أشهرت إسلامَها تهرباً من الطلاق القبطي المقيّد، ثم تزوجت مسلماً، ثم فكّرت في العودة إلى دينها. ويقول إنه اهتدى للظلم الواقع على النساء من دأب والدته على العمل في البيت، بينما والده مضطجع يقرأ الصحف ويشرب النبيذ، الأمر الذي حفّزه على متابعة هذه الظاهرة في المجتمع المصري، ثم دعوته إلى المساواة بين الجنسين.

وإذا أراد لفت انتباه علماء الاجتماع لدراسة تكوين المغتربين المصريين، ضرب الأمثلة بأولاد شقيقه فيكتور الذين عملوا في الدول العربية، مستعرضاً أمام القارئ أفكارهم وطريقة تربيتهم. وأما شقيقه الأصغر رمسيس المعروف أكاديمياً وثقافياً، فقد قال عنه إنه يغار منه، لكنه يخفي هذه الغيرة تحت قناع الهدوء، لشعوره بأنه مهما حاول فلن يصيب ربع ما أصابه هو من مكانة.

ورغم أنّ زميلته الجامعية لم تصارحه بأية مشاعر خاصة، فقد كانت تمدّ الشباك عملاً بأصول لعبة الحب، كما قال. وليس هذا كل شيء، فقد أورد اسمها الرباعي، ومكان عملها، وتاريخ وفاتها، والحال أنّ المرأة ذات ذرية غالباً وقد يحرجهم ذلك. وإذا كانت الأسرة تجرّعت المرارة من ابنها بعدما نشر أوراقَه، فقد حاولت تغطية ما كشف بعد وفاته، فلم تأذن بإعادة طبع مذكراته، باعتبار أنّ حقوق ملكيتها انتقلت إلى ورثته إلى خمسين عاماً، لكن المذكرات متداولة رغم ذلك.

ولا يمكن لكاتب سيرة ذاتية تجنب أسرته وإلا كان كأنه مقطوع من شجرة، ولا معنى لسيرة دعائية كأنها لمنتجات وليس لبشر خطّائين، ولا قيمة لسيرة يظهر صاحبها كظلٍ لما يروي، ولا حاجة للقارئ بسيرة معلومات موجودة في «غوغل». ولكن إلى أي حدّ يحق للكاتب قول كل شيء؟ وهل يجوز له تحليل ظواهر مجتمعه من خلال سلوك أهله؟ وهل فضح أسراره، وهو حرّ فيها، عمل صائب إذا كانت تتقاطع مع أسرارهم؟

*كاتب إماراتي