هناك جدال على وسائل التواصل الاجتماعي منذ فترة حول قضية وطنية لها الأولوية القصوى لدى الدولة، ألا وهي التوطين.

ولن أدخل إلى ساحة الجدال تلك، ولكني سأخوض هذا الميدان من واقع خبرتي في أثناء عملي بـ «تنمية» وهي «الهيئة الوطنية لتوظيف وتدريب الموارد البشرية»، التي تطورت اليوم إلى وزارة «التوطين»، كونها الجهة المعنية بتوفير وتيسير الوظائف للخريجين. أمامنا واقع وحقائق يصعب التغاضي عنها، وإلا كان العلاج أشبه بالمستحيل لتحقيق أهداف واضحة من التوطين.

الواقع السكاني لا يصب في خانة التوطين السائل، فهو بحاجة إلى قوانين، وإلا منطق العرض أكثر من الطلب سيكون ساري المفعول على المواطن. أضرب مثلاً دول بالاتحاد الأوروبي، قوانينها لا تسمح بزيادة نسبة المهاجرين إليها أكثر من 7%، فكيف الوضع في ظل نسبة مرتفعة من غير المواطنين في سوق العمل؟

صحيح أن الوظائف ينطبق عليها منطق العرض والطلب، لكن ضمن آليات وضوابط محددة. وهذا الأمر ليس خاصاً بالإمارات، بل حتى بأميركا التي تصدر مواطنيها إلى مختلف دول العالم وبأغلى الأجور على هيئة خبراء ومستشارين.

نقول بكل وضوح: هل يستطيع المواطن الإماراتي الحصول على تصريح عمل فوري في أميركا أو غيرها من دول العالم؟ فكل دولة في العالم الأوسع مشغولة بمواطنيها بالدرجة الأولى، وهو أمر طبيعي ودستوري. ولكن هناك أيضاً وضع طبيعي لسكانها الأصليين في الغالبية، وهذا الجزء لا ينطبق على الإمارات، لذا ينبغي أن يكون التوطين أكثر أهمية ووظائفهم استثناء من بين جميع الشواغر في القطاعين الخاص والعام. البعض يركز على القطاع الخاص للقيام بهذا الدور لصالح القرارات الصادرة من الحكومة في هذا الصدد وهي ليست جديدة ولكنها ممتدة منذ أكثر من عشرين عاماً، إلا أن مفاعيلها كانت غير مؤثرة في التقليل من نسبة الباحثين عن العمل في الدولة، وقد ساهم ذلك في تضاعف الأعداد خلال الفترة الماضية ولا زال الوضع مستمراً.

وهناك من يزعم بأن القطاع الحكومي قد تشبع بالمواطنين، كيف وأعداد الدوائر والهيئات والمؤسسات في تزاد مستمر؟ تجاهل الواقع لدى بعض المحللين، وعدم الاهتمام بالحقائق على الأرض جزء من تقديم تفسيرات غير منطقية لبعض جوانب مسألة التوطين.

ولازلنا نؤكد بأن المسألة تتعلق بإضافة نوعية وليس فقط مجرد رقم أو نسبة. وإحداث توازن سكاني في التركيبة ليس بالأمر السهل ولو طبقنا على المواطنين أفضل النظريات العلمية في علم الإسكان، لأن معدل الولادات يُقاس بالألف، ونسب زيادة المقيمين بالنسبة المئوية، فحجز الشواغر للمواطنين هو الحل الأمثل، وإلا في سوق العرض والطلب ميزان التعيين ليس لصالحهم في القطاعين. والأمر كذلك يتعلق بدراسة سوق العمل وتأهيل الخريجين من أبناء الوطن للالتحاق بالشواغر المتاحة في تخصصات جديدة، وهذا يستوجب الاهتمام بالمهارات وأيضاً التدريب والتركيز على واقع سوق العمل واحتياجاته الراهنة والمستقبلية.

* كاتب إماراتي