تتجه الأزمة الليبية لفصل جديد من التعقيد في ظل غياب الأفق السياسي الذي يمكن أن تبدأ منه مسارات حقيقية للحل، وبناء خريطة توافقية على الأقل في مستوى الحد الأدنى بين الأطراف المعنية، وفي ظل عدم وجود حضور دولي فاعل للانخراط في بناء خريطة سياسية جديدة بدلا من استمرار المشهد الراهن على ما هو عليه بل وتدهوره، وما يؤكد على ذلك استعداد طرابلس لمواجهات محتملة بين الميليشيات المسلحة الموالية للحكومتين المتصارعتين على السلطة.
تزامن ذلك التطور مع مغادرة الميليشيات المسلحة مطار طرابلس للانتشار بمناطق الجنوب لمواجهة تحرك قوات أسامة الجويلي، رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية السابق المحسوب على باشاغا، كما قامت القوات التابعة لحكومة الوحدة بالاستعداد لإحياء الذكرى 82 لتأسيس الجيش الليبي، وبدء توافد الوحدات العسكرية على مطار طرابلس الدولي. وتم الاتفاق على نشر القوات في مناطق جنوب طرابلس، تحسباً لأي تحرك من قوات الجويلي، ومواجهتها بالقوة في حال تحركها تجاه الوسط في ظل بعض التطورات المتوقعة واحتمال دخول باشاغا طرابلس قريبا بعد الاشتباكات التي شهدتها المدينة. واتفاق عدد من قيادات مصراته الداعمين لحكومة باشاغا على تشكيل لواء عسكري جديد برئاسة سالم جحا، لتمكين هذه القيادات من ممارسة أعمالها بطرابلس.
ومع مراقبة الجانب الأميركي تفاصيل ما يجري، وإعلانه عن وساطة مباشرة دخلت إيطاليا على خط الأزمة بإعلان نيكولا أورلاندو، المبعوث الخاص لوزير الخارجية الإيطالي إلى ليبيا، اتفاقه مع فتحي باشاغا، رئيس حكومة الاستقرار، على ضرورة تجنب جميع الإجراءات التي من الممكن أن تؤدي إلى زعزعة الاستقرار والتركيز على أولوية الانتخابات، ودعوة جميع الأطراف لوضع ليبيا قبل مصالحهم الخاصة. 
وفي المقابل أعلن عبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة الوحدة أن الإجراءات، التي اتخذتها حكومته بشأن تسمية مجلس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط، تمت من أجل تصحيح الأوضاع القانونية للمؤسسة.
في المحصلة ستظل المطالب المطروحة من الجانبين قائمة مع استمرار أعمال العنف وتأكيد الجميع على أن ما يحدث ليس في طرابلس فقط، وإنما في العديد من المدن الليبية نتاج للفوضى المسلحة، وانتشار السلاح دون سلطة رقابية فعلية مع التأكيد على أن أغلب الموضوعات تم حسمها في مشروع الدستور وأنه لو تم تفعيل مشروع الدستور منذ سنة 2018، لكانت ليبيا دولة قانون، ولتجاوزت مرحلة فراغ السلطة والفوضى.
سيبقي التأكيد على عدة أمور أولها: استبعاد أن تؤدي أجواء التقارب بين المشير حفتر القائد العام الجيش الوطني، وعبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة الوحدة المؤقتة، إلى انتخابات عامة في البلاد قريباً، لاعتبارات كثيرة. ثانيها: أن الدبيبة غير قادر على تسويق أي تفاهمات جديدة أمام حضوره في غرب ليبيا، فضلاً عن استشعاره بأن العناصر المحسوبة على «الجماعة الليبية المقاتلة» لن تقف صامتة إذا ما اتخذ أي خطوة ومنها بعض المقاعد لشخصيات مقربة للجيش ثالثها: لا يمكن أن تتم الانتخابات في الوقت الراهن، حيث تحتاج إلى إجراءات كثيراً ما يتطلب تعاون الجميع لإيجاد قاعدة دستورية أو دستور وقوانين تنظمها، ومن ثم فإن الانتخابات المرتقبة لن تكون قريبة رابعها: إن تركيز الولايات المتحدة والمجتمع الدولي بات منصباً بالبحث عن تحقيق أي درجة من الاستقرار بالمشهد الليبي مع التأكيد على أن إحياء مسار الانتخابات، وخصوصاً شقها الرئاسي بات يتطلب عامين على الأقل لإجرائها.
إن تعقد مسار الأزمة الليبية يعود لتعدد أطرافها، ووجود- إلى جوار اللاعبين المباشرين- قوى أخرى منها كيانات سياسية لها ثقلها إضافة لتعمق خلافات مجلسي «النواب» و«الأعلى للدولة» بعد إخفاقهما في التوافق حول القاعدة الدستورية المنظمة للانتخابات، إضافة لاستمرار تجاذب مواقف الدول الإقليمية والدولية.

أكاديمي متخصص في القضايا الاستراتيجية والعلوم السياسية