رفعت الحربُ في أوكرانيا عدد البلدان التي سترغب في توسيع ترساناتها النووية الحالية وترقيتها. وفضلاً عن ذلك، ستكون هذه الحرب بمثابة محفز كبير للدول ذات الأسلحة غير النووية من أجل تطوير قدرات خاصة بها. والنتيجة هي عالم أكثر خطورة لا يمكن التنبؤ به، وعالم سيزيد من احتمالات وصول لاعبين من غير الدول أيضاً إلى الأسلحة النووية، مهما كانت بدائية وغير متطورة.
حين أطلقت روسيا عمليتها العسكرية في أوكرانيا في الثالث والعشرين من فبراير 2022، كانت واثقت من أن بلدان حلف شمال الأطلسي (الناتو) لن ترسل قوات عسكرية للقتال إلى جانب الأوكرانيين، لأن روسيا قوة نووية كبرى ولا أحد في الغرب يريد المجازفة بخوض حرب يمكن أن تصعّد وتتطور إلى مواجهة نووية. كانت موسكو واثقة أيضاً من أن قواتها ستهزم القوات الأوكرانية بسهولة وبأسلحة تقليدية بالكامل، ومن أنها ستحقق نصراً حاسماً وسريعاً. لكن هذه التقديرات لم تكن دقيقة، إذ تحولت أوكرانيا إلى مستنقع لا تلوح في الأفق مؤشرات على نهاية وشيكة له. القلق حالياً هو من أن تبلغ مشاعر الإحباط بروسيا مبلغاً يدفعها لاستخدام أسلحة نووية من أجل تغيير اتجاه حرب يبدو أنها لا تسير في صالحها كما توقعَتْ. 

وقد أدرك الأوكرانيون الآن أنهم لو لم يتخلوا عن مخزونهم النووي الكبير الذي ورثوه عن الاتحاد السوفييتي، لما قامت الحرب الحالية على الأرجح.
ونظراً لأن روسيا لا تبدي أي مؤشر على التخلي عن أهداف ضم جمهوريات سوفييتية سابقة إلى مجالها الحيوي، فإن التداعيات الإقليمية في أوروبا كانت فورية. ذلك أن اثنتين من جارات روسيا محايدتين تاريخياً، وهما السويد وفنلندا، تقدمتا رسمياً بطلب الانضمام إلى حلف «الناتو». على أن بلداناً أوروبية أخرى، مثل البوسنة والهرسك وجورجيا، قد تسير على خطاهما. بل حتى سويسرا، البلد الذي عُرف بحرصه الدائم على التزام موقف محايد طوال قرون، قررت زيادةَ تعاونها الدفاعي مع بلدان أوروبية أخرى. وفي الأثناء، تعتزم بريطانيا وفرنسا اتخاذ خطوات في اتجاه تحديث قواتهما النووية الحالية. 
ومن جانبها، سيتعين على البلدان الشرق أوسطية المهمة أن تعيد التفكيرَ بشأن مواقفها الخاصة من الأسلحة النووية. فإسرائيل تمتلك قدرة نووية قوية، وإيران لديها كل المكونات اللازمة لبناء قنبلة خاصة بها في حال باءت المفاوضات الرامية إلى استئناف «خطة العمل الشاملة والمشتركة» بالفشل. وإذا فشلت المفاوضات بالفعل، فيمكن القول إنها مسألة وقت فقط قبل أن تقوم بلدان أخرى في المنطقة بإعادة النظر في خياراتها. ذلك أن كل هذه البلدان تتذكر أن رجل ليبيا القوي معمر القذافي قُتل في عام 2011 خلال حرب أهلية بعد أن وافق على التخلي عن برنامجه الفتي لصنع قنبلة نووية في ديسمبر عام 2003. وفي جنوب آسيا، تمتلك الهند وباكستان أسباباً وجيهة لتوسيع ترسانتيهما النوويتين الخاصتين بالنظر إلى استمرار الأعمال العدائية بينهما، علاوة على حالة التنافس الطويل بين الهند وجارتها الأخرى الصين. 
ولعل أخطر التطورات النووية هي تلك التي قد تحدث في شرق آسيا. ذلك أن التهديد باستخدام القوة من أجل «إعادة توحيد» تايوان مع البر الرئيسي، يمكن أن يعيد إحياء أفكار سابقة حول «قنبلة تايوانية»! وبالمثل، تمتلك كلٌ من اليابان وكوريا الجنوبية، اللتان تواجهان خلافات حادة مع الصين وكوريا الشمالية، البنيةَ التحتية والمهارات اللازمة لبناء القنبلة، وقد تفعلان ذلك في حال بدأت ثقتهما في قيام الولايات المتحدة بتزويدهما بـ«مظلة» نووية تتضاءل.
بيد أن الحدث الذي قد يتسبب في التزام عالمي بوقف السباق نحو مزيد من الانتشار النووي هو الاستخدام الروسي لسلاح نووي في أوكرانيا. فمثل هذا الحدث سيكون مروعاً جداً ولا يمكن تصوره لدرجة أنه قد يؤدي إلى تفجر مشاعر الغضب على نطاق عالمي لدرجة أن جهوداً استثنائيةً قد تُبذل، ليس فقط من أجل ضمان عدم حدوث مثل هذا الأمر مرة أخرى، لكن أيضاً من أجل استغلال الأزمة لمعالجة الأسباب الكامنة وراء حرب أوكرانيا، وإنهاء النزاع، والتوصل لاتفاق بشأن تعويضات الحرب. وفي هذه الحالة، ستكون مشاركة روسيا الكاملة أساسيةً، وقد يصبح التوصل لاتفاق أمني جديد حول مستقبل روسيا وأوروبا ممكناً في أعقاب هذه الكارثة. أما إذا لم يحدث ذلك، فإن المشهد بدون شك سيزداد قتامةً مع مرور كل يوم. 

*مدير البرامج الاستراتيجية بمركز «ناشيونال إنترست»- واشنطن