صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

حياتنا أسلاك وبنك - نوت

لم تعد حياتنا كما كانت في أزمنة مرّت، في تسارع غريب تدور به أنظمة التطور التكنولوجي والاختراعات التي سوّرت حياتنا بقيودها وقوانينها وانتشارها الذي سيج هذا الكوكب المتفرد بأسباب الحياة بكل تجلياتها وأنواعها، حتى أصبحت ليس الكائنات البشرية وحدها هي التي خضعت لاشتراطات هذا التطور بل حتى الكثير من كائنات الطبيعة. فالسمك كان يصطاد من البحار عبر الأزمنة ليتغذى عليه البشر، وأصبح الآن يربى في الأحواض الصناعية ويغذّى بأطعمة تمتزج بالكيماويات. والنباتات كانت تزرع في الأرض الطبيعية وتسقى بماء الأمطار والأنهار التي لم تلوثها فضلات البشر ومخلّفات المصانع، لتنتج محاصيلها لتغذية البشر والكثير من الكائنات كالمواشي والطيور، وأصبحت الآن تزرع في البيوت البلاستيكية وتغذى بالكيماويات التي اخترعها البشر حاملة في تكوينها أشكالاً من الأمراض والأوبئة. والماء كان ينساب من الأنهار نقياً صافياً وأصبح ملوثاً. ومياه الأمطار كانت تخصّب الحقول وتروي الكائنات والبشر، فصارت مياه الطبيعة ملوثة بحاراً وأنهاراً تعبّأ في القناني البلاستيكية التي يتوجب علينا أن نصدّق أنها معقمة وصحية. وتكاثرت شركات تعبئة المياه التي تتنافس في سوق الاستهلاك حتى لم نعد نعرف ماذا ننتقي ومن نصدّق. كانت علاقات البشر بكل أصنافها ومسمياتها على ظهر هذا الكوكب تتواصل فيما بينها باللقاءات المباشرة عائلياً وأغراباً وتتواصل عبر القارات بالتراسل الورقي، فأصبحت تتواصل عبر الأسلاك الكهربائية بكل مسمياتها وأشكالها وغاياتها وتقنياتها. فإذا انقطع أي سلك منها انقطع التواصل بين البشر أياً كانت قرابتها أو مصالحها. كان ضياء الشمس والقمر وشعلة النار تضيء دروب الإنسان في يقظته وفي عتمة ليله، فصارت أسلاك الكهرباء أكثر ضرورة من تردد الأنفاس. كان تعاقب الفصول وتبدلات أجوائها تقود حياة الإنسان والكائنات وترسم غاياتها، وتنقش على صفحة الوجود حضورها وإبداعاتها وتقلّباتها وتدفّق خيراتها واختياراتها. فصارت تحت سطوة الاحتباس الحراري بفعل ما يبثه نزق التطور التكنولوجي من سموم وغازات وتلوث يحيط الأرض والفضاء. كان البشر يتبادلون سلعهم ومنتوجاتهم مباشرة فيما بينهم، فصاروا يتبادلونها بالعملة الورقية البنكنوتية. ومن لا يملكها يموت جوعاً وعرياً وتشرداً. ومن يملكها كثيرا يغتني ويتعالى على من يملكها قليلًا، ويسخّر من لا يملكها خادماً وأجيراً يستنزف طاقاته!. وأصبحت طاقات الإنسان وأحلامه وأمانيه تقاس بعدد الأوراق التي تحتضنها تلك المؤسسات الهائلة الأعداد والاتساع، والتي اشتق من اسمها اسم هذا الورق الثمين (بنك- نوت)!!

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء