الملحق الثقافي

الجنون يدنو على مهل

مشهد من معلمة البيانو

مشهد من معلمة البيانو


في العام 2001 قدّم المخرج النمساوي ميكايل هانيكه فيلمه المثير للجدل «معلّمة البيانو» The Piano Teacher، أو La Pianiste، المأخوذ عن رواية الكاتبة النمساوية إلفريده يلينيك، الصادرة في العام 1983. هذه الكاتبة، الحائزة على جائزة نوبل في العام 2004، من مواليد 1946. في أعمالها الروائية والمسرحية تتناول - حسب تقرير لجنة نوبل في الأكاديمية السويدية - «عبثية المسلّمات الاجتماعية، والصور النمطية، والسلطة الاستبدادية لتلك المسلّمات، وما لها من نفوذ طاغ على حياة المجتمع».. ومعظم هذه الأعمال تتسم بالسوداوية والسخرية والتلاعب اللفظي، وتعالج موضوعات حساسة ومعقدة مثل العلاقات الجنسية والسلطة والنفاق الاجتماعي.

في «معلّمة البيانو» تقدّم يلينيك رؤية متطرفة لما يعنيه الافتقار إلى السلطة الاجتماعية، الثقافية، والجنسية. وهي تنظر إلى مازوشية البطلة بوصفها نتاجاً لنظام فاشي. الرواية تركّز بؤرتها على امرأة ترغب بشدّة أن تكون مستقلة، كإنسانة وفنانة، في مجتمع محافظ يمارس الكبح والكبت، لكنها تخفق في تحقيق ذلك فتصبح عصابية غير مستقرة عقلياً.
من المعروف عن الكاتبة إلفريده يلينيك أنها تعيش في عزلة تامة، متجنبة الأضواء والظهور العلني. وهي تتصل بالعالم من خلال جهاز الكومبيوتر.. عن هذا تقول: «أعاني منذ أعوام، وبانتظام، رهاباً اجتماعياً يجعل من الصعب عليّ أن أطيق الحشود». وعن روايتها «معلّمة البيانو» تقول: «إنها رواية ضد ابتذال الجنس واعتباره سلعة».

بين الرواية والفيلم
ترددتْ يلينيك طويلاً في السماح لمنتج ما بتحويل الرواية إلى السينما لأن «أعمالي النثرية ذات توجّه لغوي، بمعنى أن الصور تحدث في الداخل وتُنقل عبر اللغة. لم أستطع أن أتخيّل أن بمقدور الصور السينمائية إضافة أي شيء جوهري. لكنني كنت دوماً أعرف أنني سوف لن أعمل إلا مع مخرج مثل هانيكه، القادر على مجاورة معياره الخاص عن الصور مع النص».
وردّاً على سؤال حول التماثل بينهما، هي وهانيكه، حيث أنه يستخدم الكاميرا كمِشْرط، وهي تستخدم القلم للغرض نفسه.. تقول إلفريده: «لهذا السبب رأيت أن هانيكه مناسب جداً لتحويل هذه الرواية إلى الشاشة، لأننا كلينا نشرع في العمل على نحو تحليلي وبهدوء، ربما مثل علماء يدرسون حياة الحشرات».
وبحسب هانيكه، فإن غياب التبرير السيكولوجي هو الذي جذبه إلى الرواية.
هانيكه (الذي كتب سيناريو الفيلم) مخرج ذو رؤية خاصة، ممسوس بما يكمن وراء المظهر المألوف للأشياء والظواهر والعلاقات. إنه يتخطى الأسباب الواضحة والمؤثرات المنطقية ليصل إلى السرّي والمتناقض والذي يستعصي على الإدراك المباشر.
هانيكه لم يلتزم حرفياً بالنص، مع إنه حافظ على العديد من التفاصيل الخاصة بالبطلة إيريكا، كما جاءت في الرواية، مثل: تخصصها في شوبيرت وشومان، المعاملة القاسية للتلاميذ، اقتحامها عالم الرجال الخلاعي، كراهية الذات، الحاجة إلى إلحاق الأذى بالنفس.
الرواية تؤكد على وضع المرأة المحرومة من الحقوق الطبيعية أو الإنسانية، وما يفضي ذلك إلى البغض بين الجنسين. شخصية إيريكا، في الرواية، مرسومة بوصفها امرأة كئيبة، قاسية، ساخرة. تعيش مع أم بغيضة، وضمن محيط يهيمن عليه الرجال الذين يعاملون النساء كأشياء غير ضرورية ويمكن الاستغناء عنها.

شخصية مازوشية
في الرواية، نجد أن علاقة إيريكا بتلميذها فالتر مندمجة مع الصلات المدمرة بين الأم وابنتها.. وهي الثيمة الأساسية في الرواية. القارئ يجد نفسه أمام دراسة مركّبة ومتشائمة للمرأة التي تتوق بشدّة لأن تصبح ذاتاً مستقلةً، كإنسانة وكفنانة، في مجتمع محافظ.
بينما ينظر هانيكه إلى الصورة من زاوية أخرى: العزلة والانسلاب تحدث بسبب رموز السلطة البورجوازية. إنه يؤكد على مسؤولية الأعراف المحافظة للمجتمع النمساوي في قمع الأفراد، إضافة إلى دور العائلة كخليّة أساسية تنتج كل التعارضات والتناقضات المحتملة في ما يتصل بالعلاقات بين الأفراد. هذه الحياة العائلية البورجوازية هي التي تنتج الشخصيات الشاذة، المعقدة، اللاسوية.
الفيلم يسبر نفسية شخصية مركّبة، متقلبة، بلا روابط اجتماعية ولا ميل إلى ممارسة متع الحياة. هي حية لكنها لا تعيش حياتها كما ينبغي. محكومة بالرتابة والخضوع. إنها إيريكا (إيزابيل أوبير) معلّمة الموسيقى. في الأربعين من عمرها. عزباء وتعيش مع أم نزّاعة إلى التملك على نحو ميؤوس منه، أما والدها - الذي كان موسيقياً - فقد مات في مصح عقلي.
إيريكا شخصية متقلبة، متناقضة، متعارضة مع نفسها. إنها تحقق إنجازاً فنياً رفيعاً بالمشاركة في هيئة تدريس المعهد الموسيقيّ، في الوقت ذاته يدفعها الخلل النفسي إلى الوقوع تحت أسر الروح الانتقامية، وممارسة أبشع أشكال إيذاء النفس وإذلال الذات.
من جهةٍ، نراها تفرض سطوتها وهيمنتها على الآخرين، لكن من جهة أخرى، هي تقبل أن تكون ضحية مستسلمة. حيناً تكون مثيرة للتعاطف، وحيناً لا تثير أي تعاطف. إنها شخصية تراجيدية، أسيرة رغبات غريبة، تعاني من الاضطراب العصبي، والكبت العاطفي والجنسي، ومن استبدادية أمها التي تعيش معها.

باب موصد
الفيلم يبدأ (مثلما ينتهي) بلقطة لباب موصد. إيريكا تدخل وتعيد غلق الباب. تلقي التحية على أمها (آني جيراردو)، لكن أمها لا تكترث بتحيتها، بل تسألها بحدّة: لم تأخرت؟.. ثم فجأة تنتزع منها حقيبة يدها وتفتشها: تجد ثوباً جديداً فاضحاً. الاستجواب والتوبيخ يفضي إلى تصعيد التوتر والانفعال، والذي يؤدي بدوره إلى العنف الجسدي. ينتهي المشهد ببكاء إيريكا واعتذارها من أمها.
هي تنام مع أمها في الغرفة نفسها، وعلى فراش واحد. لذلك هي خاضعة لرقابة الأم باستمرار. أحد المشاهد المبكرة يصوّر حفلاً موسيقياً تعزف فيه إيريكا، في حضور أمها التي تراقبها طوال الوقت، وإيريكا تخترع الأكاذيب لكي تفلت من تحديقة الأم.
العلاقة بين إيريكا وأمها تتذبذب بين توترات تتفجر إلى حالة من الغضب، والإحساس بالذنب، والتسوية والصلح. إن إيريكا تبذل كل ما بوسعها لتموّه رغباتها الجنسية عن أمها، لكنها في الوقت نفسه تتخيّل أنها ترغم أمها على اكتشاف هذه الرغبات.
كل منهما تعتمد على الأخرى، غير أن الأم تحرص من جانبها على أن تظل ابنتها معها، رافضة أن تدعها تستقل بحياتها، أو على الأقل أن تشعر بأنوثتها. هي بالأحرى تتعامل معها كطفلة، لذلك تصر على معرفة مكان وجودها كلما غابت عن البيت، وتراقبها باستمرار، وتتقاسم معها الفراش. من هنا نلاحظ تشوّش إيريكا بشأن هويتها، ورغباتها، وحاجاتها النفسية والاجتماعية.
العلاقة السادية بين الأم وابنتها، التي يكشفها الفيلم منذ البداية، هي - كما يراها هانيكه - صورة مصغّرة للمجتمع النمساوي البورجوازي، في إطاره الثقافي والاجتماعي.
إيريكا تعمل في المعهد الموسيقيّ بفيينا كمعلّمة للبيانو. هي جادة ورصينة وحازمة ومتحفظة. لكن تحت هذا المظهر الذي يبدو طبيعياً تكمن حياة سريّة، قاتمة ومنحرفة.
علاقتها بزملائها وتلاميذها فاترة، غير ودية، وتعوزها العاطفة. وهي لا تهتم بخلق علاقة طيبة بقدر ما يعنيها أن تفرض سطوتها وهيمنتها على تلاميذها الشبان، بفرض معايير قاسية، واللجوء إلى السخرية اللاذعة، وإذلالهم والتقليل من شأنهم. هذه القسوة التي تمارسها، وهذا الفتور، يتباين بشكل حاد مع رهافتها وحساسيتها عندما تعزف على البيانو. ويبدو أن الهيمنة التي تمارسها في المعهد بمثابة تعويض عن عجزها على مواجهة هيمنة أمها في البيت. هي لا تجد مجالاً للتعبير عما بداخلها، لا في البيت الموحش ولا في أروقة المعهد. ومن الجليّ أن علاقتها غير الصحية بأمها تؤثر سلباً في صلاتها بالعالم الخارجي، وفي أي ارتباط مع الآخرين. إنها تعمل على إبعاد أي شخص يحاول الاتصال بها.
هي ذات ميول سادية - مازوشية، تعيش حياتها الجنسية، غالباً، من خلال التخيّل والفنتازيا. إنها لا تختبر الاتصال الحسّي إلا عبر محلات الأفلام الخلاعية حيث تتجول، وتمارس فعل التلصص على الآخرين أثناء علاقاتهم الحميمة. الغريب أن رد فعلها إزاء كل هذا يكون متحفظاً وفاتراً ومحايداً.. كأنها تمارس ذلك بآلية. إنها تتفرج وهي جالسة على نحو صارم، ولا يبدو عليها أنها تسعى وراء الإثارة والإشباع الفوري، بل تبدو أشبه بباحثة جادة تدرس ظاهرة معينة.

اختراق المحيط
هنا هي تخترق المجال الذكوري بجرأة نادرة، غير متوقعة.. فالمرأة لا يجوز لها أن تبحث عن اللذة في ما يعتبر حقلاً خاصاً للرجال. النظر من حق الذكر فقط. إنه نشاط ذكوري. المرأة كائن منظور إليه، هي مادة للتحديق فحسب.
لكن إيريكا، بجرأة وبلا خجل، تقتحم هذا المجال المتمثّل في العروض الإباحية، تنتظر دورها لتشغل حجيرة خاصة للتلصص، وعندما يحدّق إليها الرجال، في وقاحة وبذاءة، هي ببرود تتجاهل تلك النظرات. وعندما يحين دورها، تتفرّج في حياد، ثم تمد يدها نحو سلة المهملات، وتحصل على لذّتها في استنشاق المناديل الورقية الملطخة بسوائل الرجال المنوية.
من خلال شخصية إيريكا نتعرّف على الجانب المخيف والمدمّر من الرغبة، هذه الرغبة التي تنبثق من الجزء الغامض، الذي لا نعرف عنه شيئاً، من ذواتنا. عن هذا الجانب يتحدث الناقد بيتر سينسبوري ويقول: «الواقعية السيكولوجية، مع إلحاحها على السلوك العاطفي الناجم عن أسباب واضحة ونتائج منطقية مجرّدة من التناقض، هي - هذه الواقعية - ببساطة غير وافية لتصوير آليات الرغبة المتناقضة، المشوّشة، اللامرئية، السريّة جوهرياً.. كما هي حال الرغبة التي نجدها عند إيريكا».
إيريكا غير قادرة على تحقيق اتصال مع الآخر، جنسياً واجتماعياً، إلا من خلال التلصص والميول المازوشية، حيث تجد لذّتها في إيذاء وجرح نفسها (في الحمّام هي تشق أعلى فخذها بموسى الحلاقة). الفيلم يعرض بوضوح أشكال الانحراف الجنسي عند إيريكا: من التلصصية إلى النزوع السادي - المازوشي.
في تحليله للفيلم، يفرّق الناقد مارك شابمان (Bright Lights Film Journal، Nov. 2011) بين نظرة فرويد للسادية «السادي دائماً يكون مازوشياً في آن واحد»، ونظرة جيل ديلوز المعارضة، والذي يرى بأن المازوشي يستمد لذّته من الحرمان المتواصل من الإشباع، وإنكار الشهوة الحسية، رغم أنه لا ينبغي الخلط بين هذا الإنكار والرفض التام للعاطفة. المازوشي يصبح مقنّعاً بواسطة الوجدانية ذات الحسيّة المفرطة، وبإعطاء الإيروسية شكلاً مثالياً، هذه الإيروسية التي تُظهر نفسها في صورة برود خارجي. ويستنتج الناقد بأن فيلم هانيكه يلتزم بصرامة بالنموذج الديلوزي للمازوشية.

الأنوثة والذكورة
إيريكا تنجذب إلى العازف الشاب فالتر كليمر (بينوا ماجيميل)، لكنها لا تُظهر له ذلك، بل إنها تصد كل محاولاته للتقرّب منها. وهو الذي افتتن بموهبتها أولاً، لا يتراجع ولا ييأس.
في الرواية، شخصية هذا الشاب مرسومة، منذ البداية، بوصفه ممثلاً حقيراً للذكورة، والذي باعثه الوحيد هو أن يقهر إيريكا ويدمرها.
في الفيلم هو عازف بارع، ورياضي، ويمتلك حساسية وجاذبية. يتعلق عاطفياً بإيريكا بعد أن شاهدها تعزف في صالون خاص. يحاول أن ينضم إلى المعهد ليدرس على يدها، وعلى الرغم من موقفها الرافض، العدائي، يتم قبوله في المعهد.
العلاقة بينهما تتطور لتصبح جامحة، معقدة، وموجعة. هي تختبر فيها نوازعها المازوشية التي ترعب الشاب فيبتعد عنها. إنها تستخدم تخيلاتها المازوشية لا لتستسلم كلياً له، وإنما لتدفعه بعيداً عنها.
في مشهد البروفة العامة، هي تراقب فالتر وهو يتحدث في انسجام مع إحدى طالباتها الموهوبات. وجهها لا يوحي بشيء، ولا يمكن قراءة شعورها على وجه لا يشي بأي انفعال محدد. لكن فجأة نراها تهشم كأساً وتضع شظايا الزجاج في جيب معطف الطالبة. بعد قليل، تصيح الطالبة في ألم حيث نرى يدها الدامية. في ما بعد، تحريات الشرطة ترجّح وجود طالب ارتكب هذا بدافع الغيرة.
هل تسببها في إيذاء التلميذة الشابة بدافع الغيرة الجنسية أم لأنها ترغب في إنقاذها من أمها المهيمنة؟ نحن لا نعرف الدافع.
مباشرة بعد ارتكاب هذا الفعل، تذهب إيريكا إلى الحمّام، يتبعها فالتر ويوشك على اغتصابها، إلا أنها تتمكن من منعه واستعادة السيطرة ومن ثَم التحكم فيه، وتحاول أن تعقد معه إتفاقاً: سوف تقبل بإقامة علاقة معه إذا هو امتثل للتعليمات التي سوف تسلمها له كتابياً.
في المساء، يتبعها فالتر حتى شقتها، ويقتحم غرفة نومها. هي ترغمه على قراءة رسالتها، التي تحتوي على قائمة بالمطالب المازوشية المتطرفة لإشباع رغباتها، إنها تريد علاقة تماثل علاقة السيّد والعبد، واصفة بالتفصيل ما يتعيّن عليه فعله بها من إيذاء وإساءة، ثم تسأله: «هل أثير اشمئزازك؟». هو يغادر مصدوماً ومشوّشاً ومشمئزاً. هي تبكي فيما تقرأ رسالتها بصوت عال.
في يوم آخر، تذهب إلى صالة تزلج لتتفرج عليه وهو يشارك في مباراة في لعبة الهوكي على الجليد. بعد المباراة، تعتذر له وتبكي، وتعبّر له عن رغبتها فيه، وتحاول أن تشجعه على ممارسة الجنس معها في نفس المكان غير أنه يبعدها. تحاول ثانية فيستسلم، لكنها تتقيأ.
في منتصف الليل، هو يدخل شقتها، يوقظهما، يصفعها أمام أمها الذاهلة. يحبس أمها في الغرفة المجاورة، حيث تستطيع أن تشهد ما يحدث سمعياً. عندما تصدّه إيريكا، يضربها بعنف، فتنزف وتبكي. كل هذا لا يردعه، بل يغتصبها. إن فالتر، في بداية علاقتهما، كان يتعامل معها باحترام وحب، لكن تحوله في ما بعد إلى شخص عنيف، نجد مبرره في رغبتها هي إلى هذا العنف، خصوصاً بعد إعلانها عن تخيلاتها المازوشية. إن إيريكا تسكن في عالم من صنع خيالها وأوهامها. لقد وجدت في فالتر المرشح المثالي ليلعب دور الخاضع لهيمنتها وفق عالمها المتخيل، ففي هذا العالم لا وجود للحب، لكن الواقع يثبت عكس ما تتصوره.
في اليوم التالي، تأخذ إيريكا سكيناً من المطبخ، وتضعها في حقيبة يدها، وتذهب إلى حفل في المعهد يشارك فيه الطلبة. هناك تطعن نفسها في صدرها، ثم تغادر من دون أن يلاحظ أحد.

تدمير الذات
الفيلم يتحرّى الحالات العصابية لهذه المرأة المكبوتة بعمق، التي تنطلق حثيثاً نحو تدمير الذات. كما يتضمن تحليلاً مركّباً للعائلة وسياسة الكبح، ويقدمّ تأملاً في الصلات التي تربط الفن بقوى الكبت.
في الواقع، الفيلم لا يقدّم حلولاً وأجوبة، بل يطرح العديد من الأسئلة. ولا يعرض تفسيراً مباشراً للسلوك العنيف في العلاقة بين إيريكا وأمها، وبينها وبين الآخرين. إذ كلما أزال طبقة من شخصية البطلة، على نحو تدريجي، شعرنا بأن الأمور، التي تتصل بدوافعها وأفعالها ومبرراتها، لا تتكشّف وتتوضح بل تزداد غموضاً. إنك تشعر بأنها مرشحة لحالة مأساوية وشيكة.. حالة مخيفة لن تستطيع تفاديها.. كما لو أن الجنون الذي يدنو منها على مهل، ويحيط بها، سوف يلتهمها أخيراً.
هانيكه في أسلوب إخراجه يبدو مقتصداً ومحايداً، وهو لا يلجأ إلى دغدغة مشاعر وغرائز المتفرج بالصور الحسيّة، رغم إغواءات النص، ولا يتخذ موقفاً نقدياً من الشخصيات وعلاقاتها.. إنه يُظهر الأفعال بكل عريها، لا يبرّر ولا يتغاضى. ولا يعلّق على دوافع الشخصيات. وهذا الأسلوب ينسجم تماماً مع طبيعة شخصية إيريكا وعلاقتها بمحيطها وعالمها، فهي تعيش حياتها بلا عاطفة، بلا شغف، بلا أي محاولة للاتصال مع الآخرين، عائشة في الوهم والتخيّل أكثر مما في الواقع.
كاميرا هانيكه تعتمد على الإيحاء أكثر من التصريح. إنها نادراً ما تركّز بؤرتها على قلب الحدث، معطية المتفرج لمحات من دون الاقتراب من المرئي وحصر الشيء ضمن الكادر في لقطات قريبة. إننا نراقب انحدار إيريكا، ونتابعها محتفظين بمسافة بيننا، ولا يُسمح لنا بالاقتراب منها ومحاولة فهم دوافعها. وفي غياب صوت الراوي، أو الحوار الداخلي، الذي يشرح ويوضّح أفعال الشخصية، أو أي بيان تفسيري سردي، فإن عدم قدرة إيريكا على التعبير عما تريده بشكل مباشر، يحول دون غوص المتفرج في أعماق الشخصية، والاكتفاء بالمكوث عند السطح. هذا يعني أن المتفرج يكون محروماً من المشاركة أو التعاطف مع الشخصية، كما يحدث غالباً في السينما السائدة، وبدوره يتخذ المتفرج موقف المحايد.
يقول هانيكه: «كل تفسير هو تقييد، وكل تقييد هو كذب غير مباشر».
هانيكه يجعل كاميرته تحاول إظهار ليس فقط العنف البدني على وجهها بل أيضاً الكشف عما هو أعمق وأكثر غوراً. في حالات عديدة، هو يجعل الكاميرا مركّزة عليها، محدّقة في وجهها. ليس غايته من ذلك فهم أو تفسير أفكار الشخصية، بل - كما يقول الناقد ريك بورك - محاولة فهم ما تفعله تلك الأفكار بها. في كل المشاهد التي تسبق لقاء إيريكا وفالتر في الحمّام، تكون هي في بؤرة أو مركز اللقطات القريبة أو المتوسطة، تعبيراً عن تحكمها في محيطها، وكيف أنها تقيّم وضعها وتخطط في سبيل المحافظة على هذا التحكم والسيطرة. لكن ما إن تضعف أمام فالتر، وتسلمه مطالبها حتى تفقد تلك القدرة على التحكم والسيطرة، واللقطات - معبّرة عن هذه الحالة الجديدة - تكتسب مظهراً آخر، ومعنى آخر. هي، في علاقتها بالكاميرا، لا تعود في المركز أو البؤرة، ويطغى حضور فالتر على حضورها. في نهاية الفيلم، مع ظهور وجهها المتوّرم - بفعل اعتداء فالتر عليها - هي تستعيد قدرتها على التحكم، وما طعن نفسها بالسكين إلا تعبير عن التحكم في مصيرها. الطعن ليس فعل يأس أو بدافع اكتئاب، بل الوسيلة التي بها تستعيد إيريكا السيطرة.. السيطرة على نفسها ووضعها وأفعالها، متجاوزة كل أذى أو إساءة.

إيزابيل أوبير.. ممثلة بلا «ماكياج»
حاز فيلم «معلمة البيانو» الجائزة الكبرى في مهرجان كان 2001، إضافة إلى جائزة أفضل ممثلة، وأفضل ممثل. كذلك نال الفيلم جائزة الفيلم الألماني كأفضل فيلم أجنبي.
كما حازت إيزابيل أوبير جائزة الفيلم الأوروبي، ومهرجان سياتل، ونقاد سان فرانسسكو كأفضل ممثلة.
أما آني جيراردو في دور الأم، فقد حازت جائزة السيزار الفرنسية كأفضل ممثلة مساعدة.
أداء استثنائي ورائع من إيزابيل أوبير «التي تعد واحدة من أكثر الممثلات موهبة في السينما الفرنسية»، إنها تؤدي معتمدة على وجهها، الذي يكاد يخلو من المكياج، باستثناء أحمر الشفاه، ومرتدية ملابس داكنة اللون، على وجهها تنعكس تلك المشاعر والانفعالات المتضاربة، الغامضة. كما تكشف عن قدرة هذا الوجه على كبح تلك المشاعر، فلا يتراءى على السطح غير ظلال المشاعر المتوارية في العمق. أيضاً تكشف عن قدرة مدهشة على التحكم بحساسية عالية في كل حركة وإيماءة وتعبير.
في حديثها عن دورها، تقول إيزابيل أوبير: «الفيلم هو عن الاختلاف بين الحب والإغواء. إيريكا تريد أن تكون محبوبة، لا أن تخضع للإغواء. هي لا تريد أن تفقد السيطرة والتحكم، لا تريد أن تتعرّض للإيذاء».

معنى الموسيقى
يقول المخرج ميكايل هانيكه، إن الموسيقى الكلاسيكية، التي استخدمها في «معلمة البيانو» تجسّد أفضل ما لدى البطلة إيريكا من حساسية ورقة شعور، كما أنها تعكس أعراض مرضها.. لكنه يضيف، أنه في الفيلم يظهر وضع نمساوي جداً، فمدينة فيينا هي عاصمة الموسيقى الكلاسيكية، وهي بالتالي مركز شيء استثنائي جداً.
الموسيقى جميلة جداً لكن، مثل المحيط أو البيئة، يمكن أن تصبح أداة للكبح والقمع، لأن هذه الثقافة تضطلع بوظيفة اجتماعية تضمن الكبح، خصوصاً فيما الموسيقى الكلاسيكية تصبح مادة للاستهلاك. بالطبع يتوجب عليك أن تدرك أن هذه القضايا ليست مجرد موضوعات لسيناريو الفيلم، إنما هي أيضاً من اهتمامات رواية إلفريده يلينيك، حيث لدى المرأة فرصة، وإن كانت صغيرة، لتحرّر نفسها كفنانة فقط. هذا لا يتحقق، بالطبع، بما أن براعتها الفنية تنقلب ضدها من بعض النواحي.
ويقول إن الأغنية السابعة عشرة لشوبرت تحتفظ بمكانة محورية في الفيلم، ويمكن النظر إليها كشعار لإيريكا والفيلم نفسه.

الرواية/ اللغة
عن رواية إلفريده يلينيك، يقول المخرج، إن النص أثار اهتمامه، لأنه يمضي بعيداً جداً على الصعيد السيكولوجي. وأنه بمجرد أن قرأها شعر بأنه يمكن تحويلها إلى فيلم، لأن بناء الرواية خطي جداً، وهذا يتلاءم مع إمكانية تحويلها إلى الشاشة، غير أن الشكل اللغوي للنص ليس مناسباً على الإطلاق.
ويضيف المخرج ميكايل هانيكه: إن جوهر أدب إلفريده يلينيك لا يكمن في القصص بل في ال شكل السردي، إن اهتمامها الرئيس يكمن في اللغة، وهذه اللغة غير قابلة للنقل أو التحويل. القصة ذاتها يجب أن تُروى بالوسائل التي يقترحها الفيلم. أنا لم أصنع نسخة سينمائية من الرواية، بل رويت قصة. بهذا المعنى، فيلمي ليس نسخة سينمائية من عمل أدبي.
وعن علاقته مع المؤلفة خلال تنفيذ الفيلم، يقول إنه ناقش معها الشخصية الرئيسة مرات عدة في البداية. المشكلة أن الرواية تصف مرحلة معينة بكل تفاصيلها. بينما جعلت أحداث الفيلم تدور في الحاضر، فإن المسألة هي إلى أي مدى يمكن تجسيد العناصر المهمة بالنسبة لها. لكن بشكل عام، هي على نحو واعٍ اختارت أن تبقى في الخلفية. لم تطالب بالاعتراف بها كخالقة وحيدة للعمل.