الملحق الثقافي

ثقافة الإمارات.. ضيف شرف فوق العادة

جناح هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة في معرض الرياض الدولي للكتاب 2014

جناح هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة في معرض الرياض الدولي للكتاب 2014

تعيش الإمارات العربية المتحدة اليوم فضاءات سامقة من التميز والإبداع، لتمثل ترجمةً حقيقية للطفرة الحضارية التي تمر بها في شتى الاتجاهات والمجالات. ولا شك في أن التقدم والازدهار الثقافي في الإمارات، تحديداً، صار له شأن فاعل وتجليات حاضرة في الوجدان والعقل العربي، وامتد شعاعه الإيجابي ليتعدى الحدود المحلية والعربية محلّقاً في فضاءات العالمية، بتقدم ثابت تعكسه الثقافة المعاصرة.

كل من يمعن النظر في مسيرة اتحاد الإمارات العريقة يختزلها في تاريخ عظيم أوجده رجل الثقافة والتنمية وبناء الإنسان والتخطيط والتطوير صاحب النظرة ذات العمق المستقبلي «زايد الخير» -طيب الله ثراه- لتواصل مسيرتها اليوم برؤية مستنيرة لصاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة -حفظه الله- الذي أراد لها أن تتجاوز الحاضر ليصل أثرها إلى عمق المستقبل، بما يضمن توفير حياة مستقرة للأجيال القادمة تتناغم مع تحولات العصر، وتطوراته.. يشاركه في تنفيذ هذه الخطة الحكيمة حكام الإمارات -وفقهم الله.

علاقة تاريخية
بنشوة فخر سعوديّة نابعة من قلبٍ تعلّم من عروقه «الخضراء» الحب والنبل والإخاء الذي تحلّق طيور تآخيه وحبه النقيّ في سماء الإخاء الإماراتي الخالد.. بأحرفٍ صاغها الحلم المشرق والضياء الذي صنعه القادة، والشعبان، وجذور ضاربة في عروق التاريخ نسباً ودماً.. تتشرف المملكة العربية السعودية بأن تكون دولة الإمارات العربية المتحدة هي ضيف الشرف لأكبر فعالية ثقافية، وهي معرض الرياض الدولي للكتاب في دورته الحالية التي تحمل عنوان »الكتاب.. مستقبل التحول».ويأتي اختيار إمارات العز والإخاء، تجسيداً للعلاقات القوية والمتينة بين الدولتين الشقيقتين، وترسيخاً للروابط التاريخية بينهما، وللإرث العربي والإسلامي الكبير الذي تزخر به، ولما لها من إسهامات كبيرة في تعزيز الثقافة العربية والإسلامية من خلال المبادرات والفعاليات الثقافية. ولعلنا من منبر «الاتحاد» الرصينة ننطلق من عدة محاور جعلت من الإمارات ضيف شرفٍ كبيراً على أهم منابر الثقافة في المملكة العربية السعودية، والتي تعكس المشهد الثقافي الممتد بين البلدين الذي ينطلق من رؤية حكيمة سديدة يتبناها كل من مقام خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود وصاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظهما الله.
عند الحديث عن العلاقات الثقافية بين المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، فإن الحديث بالتأكيد سيكون عن منطقة جغرافية واحدة ذات تاريخٍ مشتركٍ وجوانب ثقافية واجتماعية وتعليمية تتقارب وتتقاطع، حتى أخذت هذه الصلات بعداً مشتركاً على مستوى دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وكونت كذلك مستوىً ثنائياً خاصاً بين الدولتين ومؤسساتهما الثقافية الرسمية وغير الرسمية.
ولأن منطقة الخليج منطقة مترابطة على المستوى الجغرافي والاجتماعي والثقافي، لها تقاليد وعادات مشتركة، وقيّم ثقافية متشابهة، فقد سعت حكومات الخليج من بدء تكوينها، وبعد تأسيس الدول الخليجية الحديثة، إلى تجذير هذا البُعد وتوسيعه، بإقامة عدد من الاتفاقيات والبرامج المشتركة، وتحديداً شكلت العلاقات بين دولتي السعودية والإمارات مظهراً متميزاً من مظاهر ذلك العمل المشترك، فمنذ مطلع القرن العشرين، وتحديداً مع حكم الملك عبد العزيز آل سعود -رحمه الله- بدأ التواصل بين السعودية والإمارات، سواء على مستوى التحالف بينه وبين شيوخها أو من خلال حضور الدعاة وشيوخ العلم إلى المنطقة، ما أسهم في ظهور البوادر الأولى للمحور السياسي المعروف بالخليج على قاعدة التماثل في البنية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية امتداداً للغة والدين والجوار. ثم حرص أبناء الملك عبد العزيز من بعده على تأكيد ذلك التواصل خاصة الملك فيصل -رحمه الله- الذي دعم بشكل مباشر وبقوة تأسيس اتحاد الإمارات، ليمتد توطيد العلاقة الاستثنائية مع الملوك السعوديين الذينجاؤوا من بعده بعلاقات تواشجيّة واتفاقيات مشتركة مع المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان -طيب الله ثراه- وتشكيل لبنة أساسية لتأسيس مجلس التعاون الخليجي.

إرهاصات العلاقات الثقافية
المحور الثقافي في العلاقة بين دولتي السعودية والإمارات كان على مر التاريخ الأبرز ظهوراً وتجدداً، حيث شهدت الإمارات تدفق أفواج من العلماء والدعاة والشعراء السعوديين الذين كانوا يأتون للدعوة وبث العلم بين قبائل المنطقة بدعم من الدولة السعودية الناشئة آنذاك.
كما أن مسيرة التعليم اتخذت مظهراً ثقافياً مهماً آخر، بدأت بهجرة طلاب الإمارات إلى السعودية للأخذ منها للتعلم، وعادوا للإسهام بحظ وافر في الحركة التعليمية في دبي، كما بادرت المملكة بتأسيس معهدين دراسيين في رأس الخيمة وعجمان تابعين لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، كما منحت السعودية حينها منحاً دراسية لأفواجٍ من الطلاب من دبي ورأس الخيمة وعجمان.
وفي نفس المنعطف وامتداداً للتعليم بين البلدين تحديداً، نجد اليوم أن عدد الطلاب السعوديين الدارسين في الجامعات الإماراتية خلال السنوات الأخيرة الماضية، تضاعف من نحو 90 طالباً وطالبة عام 2002 إلى قرابة 3000 طالب وطالبة العام الجاري، يدرس معظمهم في جامعات الإمارات وفي تخصصات نوعية مثل الطب، طب الأسنان، الصيدلة، الهندسة، القانون وغيرها من الكليات والتخصصات المتميزة.
هذا بالإضافة إلى المشاركات العلمية التي تستقبل فيها الإمارات السعوديين في العديد من المؤتمرات والملتقيات العلمية الدورية، وكذلك مشاركاتهم السنوية في الجوائز التعليمية والتربوية التي تتبناها الإمارات مثل جائزة خليفة التربوية، وجائزة محمد بن زايد لأفضل معلم خليجي، وجائزة لطيفة بنت محمد لإبداعات الطفولة.. وغيرها.

تواصل وتكامل
والمتابع لمستوى العلاقة الثقافية، يجد أن هناك تشابهاً كبيراً ومتماثلاً بين المؤسسات الثقافية وخططها بين البلدين، مما يعد مظهراً ملفتاً من مظاهر التقارب والتماثل في البنية والتفكير الثقافي سواء على المستوى الرسمي أو الأهلي، وهذا التشابه يؤدي دوراً تكاملياً يمكن النظر إليه بشكل إيجابي عندما ننظر إلى ما يحققه من أهداف بعيدة عن وجود تنسيق فعلي بين تلك المؤسسات، وهو ليس دوراً محلياً فقط ولكنه أيضاً دور عربي عام، وأحياناً يتخطى الثقافة العربية إلى ثقافات أخرى.
وفي إطار العلاقات الثنائية بين المملكة والإمارات نجد تواصلاً ثقافياً لا ينقطع على مدار العام بين المؤسسات الثقافية الرسمية مثل مشاركات الجنادرية للثقافة والتراث وسوق عكاظ، ومعرض الشارقة الدولي للكتاب، ومعرض أبوظبي الدولي للكتاب، ومهرجان أبوظبي للتراث، والأجنحة السعودية الثابتة فيها واستضافتها كضيف شرف، كما أن هناك أيضاً تواصلاً يأخذ أبعاداً غير رسمية ومتعددة في الأنشطة الثقافية المختلفة، فمثقفو البلدين على تواصل دائم في لقاءات مختلفة عبر الملتقيات الثقافية، وهيئات الجوائز والتحكيم، والمؤتمرات، والمهرجانات السينمائية والمسرحية، والمعارض التشكيلية، وخاصةً ما يقام منها في الإمارات تحديداً، والتي تعد بوابات وآفاقاً أساسية للمثقفين والمبدعين السعوديين الذين حققوا فيها حضوراً لافتاً في كثير من هذه المناسبات مثل مسابقتي «أمير الشعراء» و«شاعر المليون»، وفعاليات هيئة الشارقة للكتاب، وملتقيات الشارقة للتراث، وملتقى الإمارات للإبداع الخليجي، وليالي مهرجان الشارقة للمسرح الصحراوي، وملتقيات السرد الخليجي.
كما يضاف إلى هذا الحراك الثقافي الكبير بين البلدين وجود الملحقيات الثقافية في كلا البلدين، ودورها الكبير والهام لتجسد كل معاني الحب والود، وأروع صور التلاحم الثقافي والتعليمي بين الدولتين، ضمن التواصل والحضور الثقافي المتين.

مجلس تنسيقي تكاملي
وفي نفس المنعطف، فإنه لا يمكن حصر أوجه التعاون في مجالات الثقافة والفنون وغيرها بين البلدين شبه المتكاملين فيما ذكرناه فقط، بل نجد تتويجاً له ما أنجز مؤخراً بإنشاء مجلس تنسيقي بين البلدين، عززت به السعودية والإمارات التعاون القائم بينهما، بإنشاء مجلس تنسيقي رفيع المستوى، بحضور خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، حفظهما الله، والذي هدف فيه المجلس إلى التشاور والتنسيق في الموضوعات ذات الاهتمام المشترك، وفي المجالات كافة. كما أتى توقيع الاتفاقية بين البلدين، اللذين تربطهما الروابط الدينية والتاريخية والاجتماعية والثقافية والعضوية بمجلس التعاون لدول الخليج العربية، انطلاقاً من حرصهما على توطيد العلاقات الأخوية بينهما ورغبتهما في تكثيف التعاون الثنائي عبر التشاور والتنسيق المستمر في مجالات كثيرة، من بينها المجالات الثقافية.

الإمارات ضيف شرف
لم تجد المملكة العربية السعودية ممثلةً بوزارة الثقافة والإعلام أبداً أفضل من الإخاء المتين و«توأمة» التواشجيَّة بين الدولتين لتعبر به عن فخرها بالإمارات وثقافتها وتراثها الإسلامي العريق، ولكي تتحدث الثقافة الإماراتية عن نفسها وتواصل حضورها وتألقها كضيف شرف «فوق العادة»، في معرض الرياض الدولي للكتاب في دورته الحالية، موطدةً أسمى معاني القيم الأخوية والإنسانية والثقافية، ومرآة لمظاهر تميز الثقافة الواحدة لإقامة معادلة صحيحة تربط الماضي بما يُشاهد في الحاضر وما يُتطلعُ إليه في المستقبل، بل وممزوجة بدلالةِ عمقٍ ثقافيّ متجانس بين البلدين العزيزين وسعتهما وقدرتهما على استيعاب كافة الروافد الثقافية، وتأكيداً لعلاقات ثابتة عميقة، أخوية تاريخية، ممتدة راسخة، دالة وبعمق الأخوة على أن مسيرة العلاقات السعودية- الإماراتية مستمرة وبقوة «التوءمة» كما أكد عليها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، مراراً لتلتقي وتتسامى مع المكانة الخاصة لدى خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان حفظه الله وولي عهده الأمير محمد بن سلمان، الحريصين دوماً على مصلحة إخوانهما في الإمارات والمستقبل والمصير المشترك.
ومع فرح تتويج الإمارات ضيف شرف كبيراً وغالياً في قلوب المثقفين السعوديين والمؤسسات الثقافية والشعب السعودي بأسره، جذلانين بغدق المشاعر ومساحاتها، لأنها باختصار مناسبة تحوِّل العقول والقلوب كلها مصيراً مشتركاً، ومستقبلاً أخاذاً، وفرحةً جميلةً نسير بها لمسيرة توأمة إخاء عريقة، راسمة وميض العطر الذي تتصافح به «السعودية والإمارات» بحميميّة لا تطمس أو تذوب، ونستلّ منها بهجةَ فخر النجاحات ومنتهاها معاً أبداً.

تتويج وفخر
لم تجد المملكة العربية السعودية، ممثلةً بوزارة الثقافة والإعلام، أفضل من الإخاء المتين و«توأمة» التواشجيَّة بين الدولتين، لتعبر به عن فخرها بالإمارات وثقافتها وتراثها الإسلامي العريق، ولكي تتحدث الثقافة الإماراتية عن نفسها وتواصل حضورها وتألقها كضيف شرف «فوق العادة»، في معرض الرياض الدولي للكتاب في دورته الحالية، موطدةً أسمى معاني القيم الأخوية والإنسانية والثقافية، ومرآة لمظاهر تميز الثقافة الواحدة لإقامة معادلة صحيحة تربط الماضي بما يُشاهد في الحاضر وما يُتطلعُ إليه في المستقبل، بل وممزوجة بدلالةِ عمقٍ ثقافيّ متجانس بين البلدين العزيزين وسعتهما وقدرتهما على استيعاب الروافد الثقافية كافة.

........................................
* مدير الشؤون الثقافية بالملحقية الثقافية السعودية في الإمارات