ألوان

الجناح المغربي.. تراث غني وطرب أندلسي

العرس المغربي يجذب زوار المهرجان (تصوير عمران شاهد)

العرس المغربي يجذب زوار المهرجان (تصوير عمران شاهد)

لكبيرة التونسي (أبوظبي)

تشهد فعاليات الجناح المغربي بمهرجان زايد التراثي بمنطقة الوثبة، الذي يستمر حتى 27 يناير الجاري، نجاحاً وإقبالاً جماهيرياً كبيرين من المواطنين والمقيمين في الدولة، لمشاهدة الحرف والفن المغربي والتحف واللوحات الفنية المغربية المرتبطة بتراث وثقافة المغرب الضاربة في أعماق التاريخ، إلى جانب أنشطة متنوعة وورش عمل حية في التراث الثقافي والمنتجات المختلفة للصناعة التقليدية، التي تجعل المملكة المغربية متحفاً مفتوحاً من طنجة إلى الكويرة، إضافة إلى مطبخها الذي يحضر بقوة، ويضم أكلات تجسد التنوع بين مختلف ثقافات المجتمع المغربي على امتداد جغرافيته، إضافة إلى طقوس العرس المغربي الذي يحظي بإقبال الجمهور، بجانب الصناعة التقليدية التي تؤكد غنى وثراء الموروث الثقافي المغربي.

حرف تقليدية
أبدى الزوار إعجابهم بالصورة الجمالية الرائعة والأنشطة والفعاليات الثقافية والفنية والتاريخية المتنوعة، وكذلك التحف والآثار القديمة التي تحمل معاني التراث المغربي الأصيل بالجناح المغربي، الذي جاءت مشاركته بإشراف مؤسسة دار الصانع بوزارة الصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني بالمملكة المغربية، حيث يحتضن هذا الجناح معرضاً حياً مفتوحاً تمثله ورشات أكثر من 21 حرفياً تقليدياً يبدعون منتجات من النحاس والجلد وصياغة الحلي والفسيفساء والفخار والفضة والزرابي والصوف والزجاج، وغيرها من المنتجات المتفردة التي ذاع صيتها في جميع القارات وتعكس غنى الموروث الثقافي والحضاري للمغرب، حيث يحظى الزوار بمراقبة عدد من الحرف اليدوية التي يبرع في تنفيذها الصناع الذين ورثوا أسرارها ومهاراتها من آبائهم وأجدادهم.
وتحتضن البوابة الضخمة التي تحاكي باب المنصور، أعظم أبواب القصبة الإسماعيلية بمدينة مكناس، التي أسسها السلطان المولى إسماعيل، وأتم بناءها ابنه مولاي عبد الله عام 1732م، باقة من الحرف التقليدية والفنون الموسيقية تعانقها مساحة واسعة تضم ديكورات نحاسية وفخارية تتوسطها نافورات مائية راقصة تنساب في نعومة على الفسيفساء في انسجام تام مع الموسيقى الأندلسية، فضلاً عن صوت فرقة «كناوة» التي تستقبل الزوار بكل حفاوة وترحاب لتعكس طابع الإنسان المغربي المضياف، بينما يجلس الزوار يرتشفون كؤوس الشاي المغربي، ويتذوقون الأكلات المغربية الشهيرة مثل الطاجين والكسكسي والمشاوي المغربية.
وتألق فنانون وحرفيون بعرض أعمالهم الفنية من التراث المغربي الأصيل، ضمن ورش مفتوحة تحتوي على شاشات للزوار تعرض مشغولات يدوية، من تحف فنية وآثار قديمة، ومطرزات ومنسوجات، تعبر عن التنوع الثقافي، الذي يتفرد به المغرب.

الذهب السائل
عندما يعبر الزائر البوابة الضخمة إلى ساحة واسعة بمساحة 1500 متر مربع، يجد على جهة اليسار الحاجة فاطمة الزغموتي تجلس خلف الرحى، وتطحن حبات الأركان الصغيرة المحمصة لاستخراج زيت الأركان الطبيعي الذي لا يوجد له مثيل، حيث تنمو شجرته المعمرة بمنطقة سوس جنوب المغرب، إلى جانب عرض مجموعة من المنتجات الأخرى كالصابون بخلاصة زيت الأركان.
وقالت الزغموتي المسؤولة عن جمعية المرأة للصناعة التقليدية، وهي جمعية غير ربحية مقرها أغادير، إن زيت الأركان المسمى بـ«الذهب السائل»، الذي يستخرج من لوز شجر الأركان، هو شجر نادر يوجد بسهل سوس المغربي، ويعمر لأكثر من 200 سنة، حيث يتم طحن لوز الأركان المحمص ثم خلطه بالعسل الحر، للحصول على مادة متجانسة صحية غنية بالفيتامينات تسمى «أملو»، وهذا المنتج ينتشر بدول شمال أفريقيا وأوروبا وأميركا، وبفضل «زايد التراثي» أصبح ذائع الصيت أيضاً في الإمارات، حيث يقبل عليه الزوار من مختلف الجنسيات. موضحة: لا نكتفي بتقديم هذا المنتج بجودة عالية، وإنما نقوم أيضاً بطحن لوز الأركان غير المحمص لاستخراج زيت أركان للتجميل، والمطلوب في مختلف أنحاء العالم والمعروف بخصائصه الجمالية.

الشاي المغربي
تحضر الأطعمة المغربية بالجناح المغربي ببعض أطباقها التقليدية الشهيرة، كما يتربع الشاي المغربي على عرش هذا الجناح، حيث يشهد طلباً وإقبالاً كبيرين من جانب الزوار، وقد نصبت الخيمة الصحراوية لتجهيز كؤوس الشاي الصحراوي المغربي المتميز، بالإضافة إلى كؤوس الشاي التي توزع من خلال رواق المطبخ المغربي، حيث يتم عرض طقوس تحضير الشاي المغربي على يد مختص يرتدي الزي المغربي الصحراوي التقليدي، بينما يعمل زميله بالخيمة على تصنيع هودج الجمل، وكيف كانت العروس تنتقل من بيت أهلها إلى بيت عريسها على ظهر الجمال بالهودج، وإلى جانبها امتد مطبخ كبير يقوم بتحضير «المسمن» وهو رغيف يتكون من الدقيق يقدم مع الجبن والعسل مرفوقاً بكؤوس الشاي، إلى جانب مجموعة أخرى من الأطباق والحلويات المغربية.

صناعات جلدية
يتفرد الجناح المغربي بزايد التراثي بعرض منتجات تقليدية تواكب خطوط الموضة العالمية، دون أن تفقد روحها الأصيلة، ومنها منتجات الجلود والديكورات الداخلية بأياد نسائية، وهي الصناعة التي كانت وما زالت حكراً على الرجال نظراً لصعوبتها ومراحل تصنيعها، ويضم رواق صناعة المنتجات الجلدية مجموعة من «البوفات» (كراسي تقليدية) جلدية بألوان مختلفة، إلى جانب الأحزمة والتذكارات الجلدية، حيث تقول لالة نجاة أسامة صاحبة تعاونية «توكانة للمصنوعات الجلدية الواقعة بمدينة مراكش بدوار توكانة تسلطانت»، إنها ورثت هذه الصناعة عن والدها واقتحمت السوق بعد أن واجهت عدة تحديات ومنافسة قوية من طرف الصناع الرجال، مؤكدة أن التعاونية تضم أكثر من 240 سيدة تعمل على تصنيع هذا المنتج بأفضل حلة، موضحة أنها تحرص على التجويد في هذه الصناعة التي تمر بعدة مراحل، حيث تعمل أكثر من 4 صانعات على قطعة واحدة، وتشير إلى أنها عملت على إدخال ألوان عصرية تواكب الموضة مع الحفاظ على أصالته.

«الرافية»
علي الشرادي جلس خلف طاولة صغيرة واضعاً أمامه أحذية بألوان مختلفة، وهي تظهر للزائر منذ الوهلة الأولى أنها مصنوعة من القش بحنكة عالية، ويؤكد الشرادي أن المادة الخام التي تصنع منها الأحذية والصنادل والأحزمة والحقائب وغيرها، هي مادة طبيعية صحية يطلق عليها اسم «الرافية»، ويتم استيرادها من مدغشقر، وهي معروفة في أوروبا، وتشهد المنتجات التقليدية المصنوعة منها إقبالاً كبيراً، وبدأت تعرف مؤخراً رواجاً في الخليج والشرق الأوسط، ويوضح الشرادي أنه توارث هذه الحرفة اليدوية أباً عن جد، مؤكداً أنه يستمتع بعمله ليصل به إلى درجة عالية من الإتقان، لأنها تنبع من أعماق الفن الأصيل، وتشتهر مدينة فاس بهذه الحرفة البديعة.

فنون شعبية وأمازيغية
يحتفي مهرجان الشيخ زايد التراثي، إلى جانب الصناعة التقليدية، بطقوس وعادات الشعب المغربي، ومنها الأعراس، حيث شهد العرس المغربي إقبالاً كبيراً من الزوار، برغم اعتماده على البساطة، نظراً لعدم توافر كل احتياجات العُرس من أزياء وعمارية وكوشة، لاسيما أن هذا العرس يستغرق التجهيز له أشهر عديدة، ويتنوع وفقاً لمناطق المغرب وثقافاتها المختلفة، إلى ذلك قال فتاح غزالي رئيس فرقة الغزالي للفنون، والتي تقدم مجموعة من الفنون العصرية والشعبية والوصلات الأندلسية والتراثية والصحراوية والأمازيغية: «إن المهرجان شهد تقديم طقوس العرس المغربي، بطريقة تقرب الجمهور من العادات والتقاليد المغربية».

الزليج المغربي
يمارس حرفي الزليج البلدي المغربي للأرضيات والحوائط المزخرف والمصنوع يدوياً مهنته، في أحد أركان الجناح المغربي أمام الزوار، لتعريفهم بمراحل التصنيع والمواد المستخدمة، وهذا المكان يمثل انعكاساً لجميع البوابات الشهيرة بالمدن المغربية التاريخية، وهو تعبير عن مهارة الحرفيين المغاربة، حيث يختزل هذا الرواق الجذّاب الطراز المغربي التقليدي الذي يزين كل بيت مغربي، سواء كان عصرياً أو تقليدياً، ويعد صناعة الزليج من الأشكال الفنية الأكثر تعبيراً عن أصالة المعمار المغربي لكونه يعتمد على مواد أولية بسيطة وآليات بدائية، بجانب مهارة وإبداع الصانع لتدخل في الهندسة المعمارية للقصور والمعالم التاريخية.
ويحترم الزلايجي كل قواعد الهندسة للفن الإسلامي، ويستعمل الزليج البلدي بألوانه وأشكاله التي تتعدى أكثر من 300 شكل ليبدع ديكوراً أخاذاً على الجدران، إضافة إلى استخدامه في الأرصفة وبلاطات المساجد والقصور الفخمة.

نسيج وتطريز وديكور
فيض وافر من الحرف والموروثات الشعبية للمملكة المغربية التي تتميز بالفرادة، يصعب حصرها في مكان واحد، منها روائع التطريز المغربي والنسيج، وهنا تقول نادية الأجراوي، فنانة تشكيلية ورئيسة تعاونية الفن والديكور بمدينة الحسيمة، إن تعاونية الفن والديكور قد تخصصت في فن التطريز والنسيج التقليدي والعصري، حيث تعرض أنواعاً مختلفة من المنسوجات والمفروشات والوسائد الطبيعية ذات الخامات المتكونة من الصوف والقطن، موضحة أن جميع المنسوجات تتم عن طريق المرمة «النول» يدوياً، مؤكدة أنها تسعى دائماً للحفاظ على هذا الموروث الحضاري المغربي الذي توارثه الأبناء عن الأجداد.
وأشارت إلى أن هذه التعاونية تعتبر الوحيدة التي تعمل على النقش على الخشب بواسطة الكهرباء، وتقوم بجميع أنواع الصباغة على الزجاج والقماش، كما تعتبر التعاونية النسوية الأولى التي عملت على نسج العلم المغربي، وتوجت مجهوداتها بحصولها على درع الاستحقاق كأحسن تعاونية بالجهة، كذلك حصلت على جائزة أحسن رواق في الأقاليم الشمالية للمملكة، وتوضح الأجراوي أن التعاونية تضم 25 سيدة يستفدن من دورات مؤسسة دار الصانع بوزارة الصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني بالمملكة المغربية إلى جانب المشاركة في المعارض الدولية.