صحيفة الاتحاد

دنيا

التنمر.. استقواء الضعفاء

أحمد السعداوي (أبوظبي)
تطفو ظاهرة «التنمر» على السطح لما لها من أخطار على طلبة المدارس، باعتبارهم الفئة العمرية الأكثر عرضة لهذه الممارسة غير المرغوبة، فضلا عن أنه يمثل عدواناً له آثار سلبية على الطفل الذي يتعرض له، ما يتطلب فهم التنمر وأساليب الحد منه في المدارس والمؤسسات التعليمية، وخصائص المتنمرين، وضحاياهم، والبيئة المهيأة لنمو الظاهرة وصولا لاكتشاف كيفية الوقاية منه، ما يكفل للطلبة نشأة سوية تجعلهم أفراداً صالحين في المجتمع.

تنمر إلكتروني
عن تجربتها، قالت نسرين أحمد، والدة طالب عانى من التنمر، لـ»الاتحاد» إن الظاهرة تترك أثرها السيئ على أولياء الأمور أيضاً، حيث تقلقهم على مستقبلهم الدراسي، نظراً للشعور السلبي الذي يصدر منه تجاه المدرسة، بعدما تعرض للتنمر. وأوضحت أن ابنها، البالغ من العمر 11 عاما، تلميذ بإحدى مدارس أبوظبي، واجه تنمرا من أحد زملائه، محاولاً إلحاق الضرر به لدرجة أنه أنشأ مجموعة «واتس آب»، باسم غريب، وأضاف رقم هاتفه إليها، لسبه والتطاول عليه، مضيفة «بعد أن عرفت بذلك تحدثت إلى الطالب من خلال مجموعة الواتس آب، فكان رده خارجاً عن الأدب، ما تطلب اللجوء إلى إدارة المدرسة حتى يتوقف عن شتم ابننا، وإلحاق الضرر النفسي به».
وتابعت «لم تكن هذه حادثة التنمر الأولى تجاه ابني، بل سبقها بأشهر مشاجرة في المدرسة، كسرت فيها يده، فطالبنا بموقف حازم من إدارة المدرسة تجاه هذه السلوكات المرفوضة، فما كان منها إلا أن فصلت الطالب المتسبب يوما واحدا فقط، وبالطبع لم يكن هذا العقاب كافياً لردع حالة التنمر التي لا زال يعانيها ابني ولكن بدرجة أخف من قبل، وإن كنت آمل أن تتوقف تماماً حتى يكمل مسيرته التعليمية بهدوء ونجاح».

تنمر مدبر
تجربة أخرى يرويها محمد نصر، اختصاصي التربية بإحدى مدارس أبوظبي، تلقي الضوء على واقع التنمر في بعض المدارس، قائلا «جاءني تحويل من فريق دعم التعلم بالمدرسة يشتكي من حالة طفل تنمر في الصف السادس، حيث يشكو الطلاب من سلوكياته العدوانية، فهو يسبهم ويضربهم، وراجعني أكثر من ولي أمر لزملائه يشكونه، ما دفع إدارة المدرسة لاستدعاء ولي أمر الطالب المتنمر، وحمله على توقيع تعهد كما هي الإجراءات المتبعة، إلا أن التنمر فعرضت الحالة على أخصائي التربية الخاصة بالمدرسة لدراسة حالة للطالب للتعرف إلى أسباب هذا السلوك، وواجهناه بالسلوكيات السلبية التي قام بها تجاه زملائه، فجاء جوابه أولا الإنكار، وباستدراجه أثناء المقابلة اعترف أنه ارتكبها، موضحا أنه يفعل ذلك لأن الطلاب هم الذين يهاجمونه أولاً لأنه ضعيف البنية، ما يجعله يحاول الدفاع عن نفسه».
ويشير نصر إلى أنه تبين لاحقاً أن الطلاب نتيجة اتحادهم سوياً، يعتدون عليه عند مبادرته بالدفاع عن نفسه، ثم يشكون للإدارة المدرسية بأنه يعتدي عليهم من دون سبب، ونتيجة اتحادهم وكثرة عددهم يقتنع المسؤول بالمدرسة بوجهة نظرهم، ليبدو أن الطالب هو المعتدي وليس المعتدى عليه.

خطة علاجية
ولعلاج المشكلة، قال نصر «اكتشفنا أن مستوى الطالب الدراسي تراجع، وأخذ المعلمون فكرة خاطئة عنه، ما أدى لكرهه الذهاب إلى المدرسة»، موضحا أنه تم وضع خطة علاج من قبل مسؤول التربية الخاصة تتضمن مساعدة الطالب على تكوين علاقات إيجابية مع زملائه، وأن يوضع الطلبة المشتكون تحت الملاحظة المستمرة لمراقبة سلوكاتهم، على أن يقوم المعلمون بتشجيع الطالب على التحصيل الدراسي، وتحفيز الطالب وزملائه على عمل مشروعات جماعية تسهم في إنشاء علاقات إيجابية معهم، كما نقوم بتوعية إرشادية للطلاب وخاصة في مرحلة المراهقة بحيث نتخطى هذه المرحلة بأمان فالطالب في هذا العمر يحاول إظهار رجولته في الاعتداء على زملائه، وبالتالي لا بد من إرشاد أولياء الأمور لأن يتوخوا الحذر من سلوكات أبنائهم في هذه المرحلة العمرية المهمة».
وأشار نصر إلى أن «دراسات أثبتت أنه إذا لم يتمكن الطالب من معالجة هذا السلوك داخل المدرسة، ولم يوفق في إنشاء علاقات إيجابية مع زملائه، وأنه ضعيف ولا يمتلك القوة والمهارات التي يدافع بها عن نفسه، فأنه ينصح بنقله إلى مدرسة أخرى لينسى ما تعرض له، ويبدأ مرحلة جديدة في مدرسة أخرى».

أهالٍ ومعلمون
ومن واقع خبرته، قال محمد عبد الرحيم العبيدلي، مساعد مدير مدرسة «الرواد» بأبوظبي، إنه «من المهم مساعدة أولياء الأمور في علاج المشكلة قبل استفحالها، وفي مرحلة مبكرة من عمر الأبناء من خلال أساليب منها تنمية روح المسؤولية فيهم عبر تكليفهم بمهام ليقوموا بها ويكونون مسؤولين عن نتائجها، وتنمية روح القيادة الفعالة عند أبنائنا، وتعويدهم على ممارسة الأنشطة بروح رياضية، والتدريب على تنمية مهارات الذكاء التي تجعل القوة في التفكير وليس في الجسم، وترسيخ قيم الصبر والمثابرة وروح التحدي الإيجابي، والعمل على إنشاء روابط صداقات وتعزيزها».
ومن المهم، وفقاً له إرشاد المعلمين أيضا «بتأكيد أهمية امتلاك الطلاب مهارات التربية، وأهمها التواصل والتعاون والإبداع، والعدل بين الطلاب في توزيع المهام وفق قدراتهم، والإصغاء لحديث الطالب، وإعطاء الاهتمام التمكن بما يشعر بقيمته، والتواصل المستمر بين المدرسة والبيت، وتأكيد الضوابط الاجتماعية المهمة التي تخلق مجتمعا قويا يتمتع بعلاقات إيجابية تدعم المجتمع عبر خطب المساجد».

تعريف المصطلح
من ناحيته، قال الدكتور أحمد الألمعي، استشاري ورئيس قسم الطب النفسي للأطفال والمراهقين في مدينة الشيخ خليفة الطبية، لـ»الاتحاد»، على هامش محاضرة بهذا الخصوص في أبوظبي مؤخراً، إن سلوك التنمر من الموضوعات التي حازت قدرا كبيرا من اهتمام المدارس السنوات الماضية. وعرف التنمر بأنه «سلوك غير سوي متعمد ومتكرر يقوم به الطفل القوي لإلحاق الأذى والألم بطفل آخر أقل قوة أو حيلة منه، وقد يكون مباشرا أو غير مباشر، لفظيا أو غير لفظي».
وأوضح وجود عوامل مشتركة تلخص الخصائص الرئيسة لسلوك التنمر منها أنه يعد نوعاً فرعياً من سلوكات العنف، وأنه يشتمل على مجموعة كبيرة من السلوكات السلبية ذات الطبيعة البدنية أو النفسية أو الاجتماعية أو كل ما سبق والتي يتم استخدامها مراراً وتكراراً على مدار فترة زمنية طويلة، والتي تضر بالشخص الذي يتم توجيه تلك السلوكات إليه، لافتا إلى أن سلوك التنمر متعمد بطبيعته أي هناك هدف محدد وهو الإضرار بالضحية، ومن المفترض ألا تتم إثارة تلك السلوكات من قبل الضحية، ويمكن القيام بإساءة استخدام تلك السلوكات من قبل فرد أو مجموعة وقد يكون الهدف من الإيذاء، وهو فرد واحد أو أكثر على الرغم من وجود ضحية واحدة في معظم الأحيان.

أسباب ودوافع
وعن أسباب التنمر، حددها الألمعي بعضها بانعدام الشعور بالأمان، وغياب الرقابة بالمؤسسات التعليمية، واختلاف الظروف الاجتماعية والاقتصادية بين الطلاب، والميول لممارسة العنف لدى بعضهم، والتكوين البدني الذي يلعب دوراً جوهرياً في حدوث التنمر، فضعاف البنية الجسمية، وقليلو الحركة أكثر تعرضاً للتنمر.
ومن العوامل التي تسهم في التصدي للتنمر، وفقا له، دعم الأقران والمعلمين في المدرسة، والتي تعد عنصرا محوريا، ولاسيما عند الطلاب الذين تتم ممارسة سلوك التنمر ضدهم، حيث أظهر ضحايا التنمر انخفاض الدعم الاجتماعي من الأقران والمعلمين، إضافةً إلى حاجتهم الشديدة للدعم النفسي والاجتماعي. فكان الطلاب ضحايا التنمر لديهم عدد أقل من الأصدقاء ويخشون من الذهاب إلي المدرسة، ما يؤدي إلي تغيبهم عن المدرسة وعدم قدرتهم على التحصيل الدراسي وانخفاض مستوى مشاركتهم للأنشطة المدرسية.
وهناك أنواع مختلفة من التنمر، أهمها بحسب الألمعي التنمر في أماكن الدراسة، وأماكن العمل، والتنمر الإلكتروني، والبدني، واللفظي، والأسري والذي يقع من قبل الوالدين على الأبناء، أو بين الإخوة، أو الأزواج أو الأقارب.

آثار متوقعة
عن أبرز الآثار المترتبة على التنمر التي يعانيها، قال الدكتور أحمد الألمعي، استشاري ورئيس قسم الطب النفسي للأطفال والمراهقين في مدينة الشيخ خليفة الطبية، إنها تتمثل في انخفاض تقدير الذات، والانسحابية، والوحدة والعزلة، وسوء التوافق المدرسي، والاكتئاب، والقلق، والتسرب المدرسي، وضعف مستوى التحصيل، والرهاب الاجتماعي، والتعرض للإساءة والتحرش. كما أن المتنمرين ليسوا بمعزلٍ عن كل هذا، بل هم أكثر عرضةً لاضطرابات منها العدوان، وسوء التوافق المدرسي، واضطراب المناخ الأسري، وكراهية الآخرين، وتطور اضطرابات الشخصية كالمضادة للمجتمع، والشخصية العدوانية.
ومن الأساليب العلمية الواجب اتباعها لعلاج التنمر، بحسب الألمعي، تقديم المعلومات عن سلوك التنمر داخل المدرسة في التجمعات، التقارير التي تتسم بالخصوصية والسرية، لتدريب على احترام الآخرين، تقديم التوعية الكاملة بالتنمر وأبعاده وكيفية التعامل معه، زيارة آباء الطلاب المتنمرين وتوجيههم وإرشادهم، التحدث مع الطلاب المتنمرين، وإخضاعهم لبرامج علاجية للحد من العدوان لديهم، وعلاج ضحايا التنمر من خلال تنمية تأكيد الذات لديهم، ومساعدتهم على إبراز شخصياتهم، وعلاج الخوف والرهبة لديهم من المتنمرين، وتدريب قادة المدرسة على آليات للحد من التنمر والتصدي له، ودمج الأبوين في العملية العلاجية.

ثلاثة أطراف
قال الدكتور أحمد الألمعي، استشاري ورئيس قسم الطب النفسي للأطفال والمراهقين في مدينة الشيخ خليفة الطبية، إن عملية التنمر تتكون من ثلاثة أطراف
* المتنمرون: وهم التلاميذ الذين يتسمون بسلوك التنمر المتمثل في التخطيط والترصد، ومحاولة إلحاق الضرر والأذى بالآخرين بشكل متكرر بقصد إخضاعهم والسيطرة عليهم، ويتصف المتنمر بخصائص أهمها أن العدوانية، والقوة البدنية، كما أن المتنمرين لديهم القدرة على تحديد خصائص المتنمرين وفهم نقاط ضعف ضحاياهم

* المستهدفون (الضحايا) لهم خصائص متنوعة أكثرها شيوعا نقص الانتباه وفرط الحركة، والحساسية، وعدم وجود ميول عدوانية والقلق وعدم الشعور بالأمان وعدم التحفيز والاكتئاب.

* البيئة المهيأة لحدوث التنمر، وغالبا تكون البيئة المدرسية، وتؤكد دراسات أهمية دور مدير المدرسة في إشاعة الثقافة الإيجابية بالمدرسة، فالمناخ المدرسي من أكثر العوامل تأثيراً على التنمر.
?