عربي ودولي

قطر تقتطع 50 مليار دولار من الاحتياطيات لإنقاذ المصارف

دينا محمود (لندن)

أكدت صحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية أن مقاطعة الدول الأربع (السعودية والإمارات والبحرين ومصر) المستمرة للنظام القطري والتي تشارف على إنهاء عامها الأول، تشكل التهديد الأخطر لقطر منذ استقلالها قبل عقود. واستعرضت في تقرير للصحفي سايمون كير، الأضرار الفادحة التي لحقت بالدولة المعزولة منذ اتخاذ «الرباعي» تدابيره الصارمة في الخامس من يونيو 2017، بما شمل قطع العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية والتجارية، وإغلاق المنافذ البرية والبحرية والجوية، وشكك في جدوى المحاولات اليائسة التي تقوم بها الدوحة لتخفيف خسائرها الناجمة عن العزلة الراهنة.
واستعرض التقرير الأسباب التي حدت بـ«الرباعي» لاتخاذ إجراءاته الحازمة، مشيراً في هذا السياق إلى الدعم الذي تقدمه قطر للتنظيمات الإرهابية وعلى رأسها، جماعة «الإخوان»، بجانب ما تبثه شبكة «الجزيرة» التلفزيونية من مضامين. ووصف الدوحة بأنها شكّلت منذ أمدٍ بعيدٍ قاعدةً للمتشددين في المنفى. كما أشار إلى تبديد نظام تميم بن حمد الأموال بشكلٍ مهووس في الفترة الماضية، إلى حد تخصيص 200 مليار دولار لمشروعات البنية التحتية، في وقتٍ يسعى النظام أيضا إلى فتح طرقٍ تجاريةٍ جديدة لاستيراد احتياجاته الأساسية، بدلاً من تلك التي أُغِلقت في وجهه بفعل إجراءات المقاطعة. لكن التقرير لم يغفل طرح سؤالٍ مُفعمٍ بالشكوك في إمكانية نجاح هذه الجهود المستميتة قائلاً: «هل (المحاولات القطرية الرامية لتخفيف خسائر المقاطعة) قابلة للاستمرار؟»، خاصة في ظل عدم وجود أي مؤشرات يُعتد بها لإمكانية تحقيق انفراجة فورية للأزمة، حتى في ظل تسارع الجهود الغربية الرامية لتحقيق ذلك الهدف، قائلاً إن الدول الُمقاطعة راضيةٌ وقانعةٌ بفرضها العزلة على «نظام الحمدين».
وأبرز التقرير النزيف المالي المتواصل في قطر، مؤكداً أن الحكومة استعانت بنحو 50 مليار دولار من صندوق الثروة السيادي التابع لها ومن احتياطياتها المالية، بهدف حماية نظامها المصرفي وسعر صرف العملة المحلية في أراضيها، لكنه أشار ضمنياً إلى أن ذلك لم يُجدِ، مؤكداً تكبد الاقتصاد القطري خسائر ضخمة تمثلت في تراجع نسبة النمو ورفع تكاليف الصادرات، وإجبار الحكومة على إعادة مليارات الدولارات إلى الداخل من محفظة استثماراتها الخارجية التي تبلغ 340 مليار دولار، وذلك لدعم نظامها المالي الذي يقول رجال أعمال محليون إنه لا يزال عرضةً لحدوث شحٍ في العملة الصعبة.
وأشار التقرير إلى أن صندوق الثروة السيادية القطري، أُجْبِرَ بدوره على تخفيض حصصه في بعض الأصول الأجنبية، مثل مصرف «كريدي سويس» السويسري الشهير، وشركة «تيفاني» المعروفة للمجوهرات، بهدف جمع أموالٍ سائلة لتوفير الموارد اللازمة لتنفيذ «إجراءات الطوارئ على الصعيد المحلي»، في مسعى لمواجهة التَبِعات القاسية للمقاطعة. ونقل عن مدير إدارة الشرق الأوسط في صندوق النقد الدولي جهاد أزعور قوله إن الوضع الراهن ليس الأمثل بالنسبة لقطر، وتأكيده على أن ذلك يؤثر على المناخ الاستثماري.
ولم يغفل التقرير الإشارة إلى أن إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران قد يفاقم من الأزمة التي تضرب قطر، في ضوء اعتمادها المتزايد على التبادل التجاري مع طهران. وأشار إلى البيانات، التي تظهر تزايد حجم الصادرات القطرية من إيران، لافتا كذلك إلى العجز المالي الذي شهدته قطر العام الماضي، والذي بلغت نسبته 1.6% من حجم الناتج المحلي الإجمالي. كما شدد على أن نسبة نمو قطاع الاقتصاد غير النفطي في قطر تبدو «شبحاً» باهتاً مُقارنةً بما كانت عليه من قبل، مُشيراً إلى أن هذه النسبة لم تتجاوز 4% خلال العام الجاري، بعدما كانت تزيد على 12% في الفترة ما بين عامي 2000 و2014.
وأكد تقرير الصحيفة البريطانية المتخصصة في الشؤون الاقتصادية والمالية، أن الإنفاق الحكومي الكبير على قطاع البنية التحتية في قطر، لا ينفي أن «القوة الدافعة» الاقتصادية تباطأت هناك، وامتد أثر ذلك إلى قطاعات الخدمات وتجارة التجزئة وغيرها. وعزز الصورة القاتمة للوضع المتردي، عبر استعراض بياناتٍ مُستقاة من الجهات الرسمية في الدوحة، تُظهر أن عدد زوار البلد، تراجع بنسبة 23% خلال 2017، ما أدى إلى تقليص نسبة الإشغال في الفنادق. والمفارقة أن هذا التراجع، تزامن مع خطط السلطات لتوسيع القدرة الاستيعابية للفنادق بنسبة 75%، وهو ما يؤكد انفصامها عن الواقع.
وفي مؤشرٍ آخر على هذا الانفصام، قال تقرير «فاينانشال تايمز» إن هناك خططاً لفتح 4 مراكز تجارية جديدة في قطر - تضاف إلى 21 مركزاً موجوداً هناك بالفعل - وذلك في وقتٍ تتراجع فيه ثقة المستهلك من الأصل. كما أبرز التقرير الضغوط المتزايدة الواقعة على كاهل السوق العقارية، فيما يتعلق بقطاع تأجير الوحدات السكنية، بفعل تراجع مستوى الإنفاق واستمرار المقاطعة وزيادة حجم العرض. وأشار كذلك إلى أن أسعار المباني السكنية تراجع حسبما تؤكد بيانات مصرف قطر المركزي بنسبة تقارب 20%، مُقارنةً بمستواه في أوج ذروة تلك الأسعار في عام 2016، أي قبل شهورٍ قليلة من المقاطعة.
وأكد التقرير أن العديد من الدوائر الحكومية وشركات القطاع الخاص تقلص ميزانياتها، وتخفض التكاليف الخاصة بقطاع التوظيف فيها. ونقل عن مصرفي قطري - لم يكشف عن هويته - إقراره بأن هناك إفراطاً في الإمدادات والموارد الموجهة إلى مراكز التسوق والمباني والفنادق، وهو ما يوحي بمواصلة «نظام الحمدين» محاولاته لإخفاء أثار أزماته المتفاقمة. واستعرض التنازلات المتتالية التي يقدمها النظام القطري على أكثر من صعيد لتخفيف تَبِعات العزلة، ومن بينها تخفيف القيود المفروضة على الاستثمارات الأجنبية بجانب تخفيف القواعد المُنظمة لمنح تأشيرات الدخول.
وأبرز التقرير ما قاله وزير المالية القطري علي شريف العمادي من أن تغيير القانون من أجل السماح للأجانب بشراء عقاراتٍ في أي مكان في قطر، وكذلك اقتراح السماح لهم بامتلاك شركاتٍ دون إلزامهم بالتعاون في ذلك مع شريكٍ محلي، سيساعد على تحقيق الرؤية المتمثلة في أن تصبح بلاده مقصداً للاستثمارات. لكنه رأى في الوقت نفسه أن الوزير القطري عاجزٌ عن الإقرار بالمفارقة المريرة المتمثلة في كون بلاده «المعزولة» تسعى للتحول إلى «مركزٍ تجاري واقتصادي»، وذلك عبر الإشارة إلى تصريحاتٍ يزعم فيها أن الموانئ الجديدة التي تُدشن في قطر وأنشطة ناقلها الجوي الوطني ستُغذي النمو. ونقل عنه أقوالاً ذات طابعٍ خيالي بقدرٍ قد يثير الضحك من قبيل: «إننا سنصبح إحدى أكثر الدول ذات القدرة التنافسية في المنطقة على صعيد الاستثمارات الأجنبية المباشرة». ولكشف المضمون الأجوف لهذه التصريحات، سارع التقرير إلى الإشارة إلى بياناتٍ تفيد بأن حجم الاستثمارات التي اجتذبتها قطر في عام 2016 لم يتجاوز 774 مليون دولار، وهو ما يقل عن استثماراتٍ أجنبية بنحو مليار دولار تدفقت على هذا البلد في العام السابق لذلك مباشرةً، كما شكل في الوقت نفسه انخفاضاً بنسبة كبيرة، عن مستوى بلغ 3.6 مليار في الفترة ما بين عاميْ 2005 و2007.