دنيا

الخنساء .. أم الشهداء الأربعة

أحمد مراد (القاهرة)

واحدة من أشهر الأمهات اللاتي خلد التاريخ ذكرهن، وسجل المؤرخون مآثرهن في عشرات المؤلفات والمصنفات، ارتبط اسمها بمعاني التضحية والفداء في سبيل رفع راية الإسلام، حيث وهبت أولادها الأربعة للجهاد دفاعاً عن الدين الحنيف ورسالته السامية. هي تماضر بنت عمرو بن الحارث السلمية، الملقبة بـ «الخنساء» بسبب قصر أنفها، نشأت في بيت عـز وجاه مع والدها وأخويها معاوية وصخر. عُرفت الخنساء بقوة الشخصية وحرية الرأي، وتجلى هذا الأمر عندما رفضت الزواج من دريد بن الصمة أحد فرسان بني جشم، وفضلت الزواج من ابن عمها رواحة بن عبد العزيز السلمي، إلا أن هذا الزواج لم يدم طويلاً، حيث كان رواحة يقامر، لكنها أنجبت منه ولداً، ثم تزوجت بعد ذلك من ابن عمها، وأنجبت منه أربعة أولاد.
بعد ظهور الإسلام أسلمت الخنساء، حيث قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم مع قومها من بني سليم فأسلمت معهم، وحسن إسلامها، وكان للإسلام تأثير كبير على شخصيتها.
اشتهرت الخنساء ببلاغة الشعر وفصاحة اللسان، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يستنشدها فيعجبه شعرها، وكانت تنشده وهو يقول: «هيه يا خناس». كانت الخنساء تحث أولادها على الجهاد دفاعا عن الإسلام، وقبل معركة القادسية جمعت أولادها الأربعة وحثتهم على القتال والجهاد في سبيل الله، وكانت لها موعظة لهم قبيل المعركة قالت: يا بني إنكم أسلمتم وهاجرتم مختارين، والله الذي لا إله غيره إنكم لبنو رجل واحد، كما أنكم بنو امرأة واحدة، ما خنت أباكم ولا فضحت خالكم، ولا هجنت حسبكم ولا غيرت نسبكم، وقد تعلمون ما أعد الله للمسلمين من الثواب الجزيل في حرب الكافرين، واعلموا أن الدار الباقية خير من الدار الفانية، يقول الله عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)، «سورة آل عمران: الآية 200»، فإذا أصبحتم غداً إن شاء الله سالمين، فأغدوا إلى قتال عدوكم مستبصرين، وبالله على أعدائه مستنصرين، وإذا رأيتم الحرب قد شمرت عن ساقها واضطرمت لظى على سياقها وجللت ناراً على أوراقها، فتيمموا وطيسها، وجالدوا رئيسها عند احتدام خميسها تظفروا بالغنم والكرامة في دار الخلد والمقامة. وعندما بلغها نبأ استشهاد أولادها الأربعة، لم ينطق لسان الخنساء برثائهم وهم فلذات أكبادها، وإنما قالت برباطة جأش وعزيمة وثقة: الحمد لله الذي شرفني باستشهادهم، وإني أسأل الله أن يجمعني معهم في مستقر رحمته.
توفيت الخنساء في البادية في أول خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان، رضي الله عنه سنة 24 هجرية.