صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

شاعر السينما

لقطة من فيلم  المرآة  لأندريه تاركوفسكي (أرشيفية)

لقطة من فيلم المرآة لأندريه تاركوفسكي (أرشيفية)

تقديم واختيار: عبير زيتون

«بإمكاننا التعبير عن مشاعرنا فيما يتعلق بالعالم من حولنا إمَّا بالطرق الشاعرية أو بالمعاني الوصفية. أنا أفضَّل أن أعبر عن نفسي بشكل مجازي. دعني أؤكد: بشكل مجازي، وليس رمزيًا. فالصورة لا يمكن أن تصبح رمزًا. حينما تتحول إلى رمز، يُصبح الفكر فقيرًا أو مكبلاً، محاطًا بالجدران». إنها كلمات المخرج الروسي العالمي آندريه تاركوفسكي (1932 - 1986) «قيصر السينما العالمية» و«شاعرها المتأمل»، أحد أهم مخرجي الفن السابع في القرن العشرين.
استطاع صاحب «القربان» بتحفه العالمية المعدودة «(سبعة أفلام)»، النحت في الزمن، ورسم السينما بالشعر، والارتقاء بالفيلم السينمائي إلى مصاف العمل الأدبي وأبعد منه، تاركاً لعشاق السينما خلطةً بصرية فريدة بمضمونها الإنساني، وهي تتنفس روحانية الشرق، وقصائد «بوشكين»، وقصص تشيخوف، وروايات تولستوي، وإبداعات ستانسلافسكي، وفلسفة «برداييف»، مشكلاً منها تياراً سينمائياً مستقلًا، ومخالفاً لكل المعايير النقدية المتعارف عليها في السينما الروسية أو في السينما الغربية، عُرف بتيار «سينما الحقيقة» أو «التيار السينمائي الشعري» الذي ظل يمارسه ويطوره بإيمان مطلق بقيمة الفن واستقلاليته، «برغم المعاناة والصعوبات التي واجهته» حتى آخر يوم في حياته الإبداعية والشخصية، والتي انتهت يوم (29 من ديسمبر عام 1986) مع سرطان الرئة في مستشفى باريسي، حيث دُفن في مقبرة المهاجرين الروس، بعيداً عن وطنه الذي ظل مشدوداً إليه حتى اللحظة الأخيرة من حياته.
هذه الشذريات مستمدة من كتابه «نحت في الزمن» (1986) ترجمة «أمين صالح».

الفنان الذي لا يعي معنى الحياة، هو غير مؤهل لتقديم أي بيان متماسك بلغة الفن الذي يمارسه.
***
أنا أبدع حكايات. أنا أخلق عالمي الخاص، ذلك العالم الذي لا يُحيل إلى شيء غير عادي. إنه مجرد وجود، ليس له أي معنى آخر.
***
الجماهير أصبحت تميل إلى الدراما البسيطة، التي تصل إلى حد التشويه والإسفاف. حينما توجد على الشاشة لحظة واقعية، لحظة تُجسد الحقيقة، تتبعها على الفور أصوات تدمغها بأنها «تشويش».
***
لكل فن معناه الشعري الخاص، والسينما ليست استثناء. إن لها دوراً خاصاً، قدراً خاصاً. لقد نشأت السينما من أجل أن تعبّر عن مجال معين من الحياة التي معناها حتى ذلك الوقت، لم يجد تعبيره في أي شكل فني قائم. كل شيء جديد في الفن انبثق استجابة لحاجة روحية، ووظيفته أن يطرح تلك ا?سئلة التي هي متصلة على نحو بارز ورفيع بزمننا.
***
أحد أبرز مآسي العالم الحديث هو أن المعضلات المعنوية والعلاقات المتبادلة الأخلاقية ليست مطابقة للنمط الحديث. لقد تقهقرت إلى الخلفية ولم تنل إلا هتماماً قليلًا. العديد من المنتجين يتحاشون الأفلام الفنية ذات الرؤى الخاصة، لأنهم لا ينظرون إلى السينما بوصفها فناً، بل وسيلة للثراء. الشريط السينمائي صار سلعة.
***
ليس كل عمل نثري قابل للتحويل إلى الشاشة. بعض الأعمال الأدبية ذات وحدة كاملة بحيث تحمل أعماقاً لا يُسبر غورها. إن كتباً كهذه تُعد تحفاً فنية. وفقط ذاك الذي لا يبدي اكتراثاً بالنثر الرفيع، وبالسينما معاً يمكن أن يتصور إمكانية تحويلها إلى الشاشة.
***
منطق الشعر في السينما، مرضٍ على نحو رائع لي، ويبدو لي أنه ملائم على نحو مثالي لإمكانية السينما، بوصفها أكثر الأشكال الفنية صدقاً وشعرية. وأشعر بالتوافق والانسجام معها أكثر مما أشعره مع الكتابة التقليدية المتكلفة.
***
حين أتحدث عن «الشعر» فإنني لا أنظر إليه كنوع أدبي. الشعر هو الوعي بالعالم. طريقة خاصة للاتصال بالواقع. هكذا يصبح الشعر فلسفة ترشد الإنسان طوال حياته.
***
هناك بعض المظاهر في الحياة الإنسانية لا يمكن تمثيلها بأمانة إلا من خلال الشعر، لكنّ المخرجين غالباً ما يلجأون إلى استخدام وسائل تحايل تقليدية خرقاء، عوضاً عن المنطق الشعري، أتكلم هنا عن التلاعبات البصرية والمؤثرات غير العادية في تصوير الأحلام والذكريات والتخيلات.

***
الروائع الفنية تولد من نضال الفنان للتعبير عن مُثله الأخلاقية، هذه المثل في الواقع هي التي تشكل مفاهيمه وحساسياته. إذا كان يحب الحياة ويشعر بحاجة عامرة لأن يعرفها ويغيرها ويجعلها في صورة أفضل نحو تعزيز قيمة الحياة، عندئذ لن يكون هناك خطورة في مرور صورة الواقع عبر فلتر مفاهيمه الذاتية، نظراً لأن عمله سوف يكون دائماً محاولة روحية تتوق إلى جعل الإنسان أكثر كمالًا: صورة العالم تأسرنا بتناغمها في الشعور والتفكير.
***
الفن يولد ويُرسخ حينما يكون هناك توق، نهم أزلي إلى ما هو روحي.. إلى «المثال» ذلك التوق الذي يجتذب الناس إلى الفن.
***
حين أتحدث عن التوق إلى ما هو جميل، عن «المثال» كغاية أساسية للفن، والذي ينمو من الاشتياق إلى ذلك المثال، فإنني لا أوحي على الإطلاق بوجوب أن ينأى الفن بنفسه عن قذارة العالم. على العكس تماماً فالصورة الفنية هي دائماً كناية، حيث يستعاض عن الشيء بشيء آخر، للكشف عن ما هو حي.
***
الأعمال الفنية بخلاف الأعمال العلمية، لا تملك أهدافاً عملية بأي حس مادي. الفن لغة سامية تساعد الناس على تحقيق الاتصال فيما بينهم، وتفصح عن معلومات بشأن ذواتهم، كما تساعدهم على استيعاب أو تمثل تجارب الآخرين. مرة أخرى ليس لهذا علاقة بالميزة العملية بل بإدراك فكرة الحب، والذي معناه في التضحية: النقيض الفعلي للذرائعية.
***
أعتقد أن أحد المظاهر الأكثر إثارة للأسى في زمننا، هو التدمير الشامل في وعي الناس لكل ما ينسجم مع الحس الواعي للجمال. الثقافة الجماهيرية المعاصرة الموجهة إلى المستهلك، حضارة الجراحة الترقيعية تشل أرواح الناس، وتقيم حواجز بين الإنسان، والأسئلة الحاسمة المتعلقة بوجوده ووعيه بذاته ككائن روحي. لكن الفنان لا يستطيع أن يُسد أذنيه أمام نداء الحقيقة. هي وحدها تجدد إرادته الخلاقة، تنظمها، وبالتالي تساعده على تمرير إيمانه إلى الآخرين. الفنان الذي يفتقر إلى الإيمان هو أشبه بالرسام الذي ولد كفيفاً.
***
شيء واحد مؤكد وهو: التحفة الفنية لا تولد إلا حين يكون الفنان صادقاً تماماً في معالجته لمادته. الأحجار الكريمة لا توجد في التربة السوداء، بل ينبغي البحث عنها قرب البراكين.
***
كنا سنصبح «ملائكة» منذ زمن بعيد لو كانت لدينا القابلية للاهتمام بتجربة الفن، والسماح لأنفسنا بأن نتغير، وفقاً للمثل العليا التي يعبر عنها. الفن يمتلك القدرة عبر الصدمة والتطهير على جعل النفس الإنسانية منفتحة على الخير. من السخف بإمكانية تعليم الناس كيف يكونون أخياراً – وصالحين. الفن يستطيع فقط أن يمنح الغذاء ــ الصدمة – للتجربة النفسية الفعلية.
***
إلهام الفنان ينشأ في مكان ما في التجويفات الأعمق في ذاته. لا يمكن أن تمليه اعتبارات المهنة الخارجية. إنه متصل على نحو محتوم بروح الفنان وضميره، وهو ينبثق من شمولية نظرته إلى العالم. وإذا لم يكن كذلك فسوف يكون عندئذ محكوماً من البداية، بأن يصير خاوياً وعقيماً، وبالتالي من الممكن أن تكون مخرجاً محترفاً، أو كاتباً محترفاً من دون أن تكون فناناً. مجرد شخص منفذ لأفكار الآخرين.
***
لا يسع المرء إلا أن يشعر «بالذهول» من غرور الفنانين المعاصرين إذا نحن عقدنا المقارنة بينهم وبين «البنائين المتواضعين»، الذي بنوا الكاتدرائيات، من دون أن يعرف أحد أسماءهم. يتعين على الفنان أن يكون متميزاً بالإخلاص، واللاأنانية في تأدية الواجب، لكننا تغاضينا عن ذلك منذ زمن طويل.
***
لقد خلقنا حضارة راحت تهدد بإبادة الجنس البشري إزاء كارثة على المستوى العالمي. النقطة الوحيدة التي ينبغي أن تُطرح للنقاش هي مسألة مسؤولية الإنسان الشخصية، واستعداده للتضحية اتجاه الآخرين. من دونها يكف أن يكون الإنسان كائناً روحياً بأي معنى حقيقي.
***
إننا نشهد الآن انحداراً للروحي في حين أن المادي قد تطور منذ زمن طويل إلى كائن حي يمتلك مجرى دم خاص به، وأصبح أساس حياتنا، المشلولة والمشوهة نتيجة تصلب الأنسجة الفكرية فينا.
***
لِمَ تتوجه جماعات من الناس إلى الفن من أجل التسلية فقط، في حين يبحث آخرون عن حوار فكري؟ لماذا يقبل البعض كل ما هو سطحي و»جميل» ظاهرياً كشيء حقيقي مع أنه سوقي ورديء ومبتذل وفظ، بينما هناك آخرون مؤهلون لتلقي التجربة الجمالية على نحو حقيقي؟ أين ينبغي أن نبحث عن أسباب الصمم الجمالي – وا?خ?قي أحياناً – ?عداد ضخمة من الناس؟ ذنب من هذا؟ وهل من الممكن مساعدة مثل هؤ?ء الناس على اكتشاف ا?لهام والجمال والبواعث النبيلة التي يطلقها أو يثيرها الفن الحقيقي في النفس؟