صحيفة الاتحاد

ألوان

علماء: تخفيف الآلام عن المرضى.. واجب شرعي

أحمد مراد (القاهرة)

أوضح علماء في الأزهر، أن الإسلام حدد مجموعة من الآداب والأخلاقيات التي يجب على الطبيب أن يلتزم بها عند مزاولة مهنة الطب، وتهدف غالبية هذه الآداب إلى المحافظة على حياة المريض والتخفيف من آلامه.
وأكد العلماء أن الطبيب يجب أن يكون مجرداً عن العوامل النفسية التي قد تؤثر في أدائه، فلا يفرق بين المرضى بحسب الدين أو العقيدة، أو الفكر أو الجنس أو اللون، وعليه أن يعالج العدو كما يعالج الصديق.

الآداب الشرعية والأخلاقية
أوضح د. عبدالفتاح إدريس، أستاذ الفقه بجامعة الأزهر، أن الشريعة الإسلامية سباقة في بيان الآداب الشرعية والأخلاقية التي ينبغي على من يعمل في مجال الطب أن ينتهجها، وإلا كان آثماً شرعاً، مشيراً إلى أن هناك آداباً عامة حث عليها الدين الحنيف، ويجب أن يراعيها الأطباء في سلوكياتهم وعند مزاولة مهنتهم، ومن أهم هذه الآداب أن يحافظ الطبيب على السلوك السوي لمهنته، وأن تكون حياته الخاصة والعامة بعيدة عن الشبهات، ويتأتى هذا بعدم مشاركته في الأنشطة التي لا تتفق وآداب مهنته، وأن يلتزم بالمبادئ العامة للأخلاق كما دعا إليها الإسلام.
وطالب د. إدريس كل طبيب مسلم بأن يتخذ لنفسه غاية في ممارسته لمهنته، وهي واجب المحافظة على الحياة الإنسانية، والدفاع عنها، وعلاج المرضى وتخفيف الألم عنهم، بقدر الاستطاعة، وأن يبذل جهده في تحقيق هذه الغاية، ولا ينبغي أن يكون دافعه من ممارستها تحقيق المنفعة الشخصية أو الكسب المادي.
وشدد د. إدريس على ضرورة أن لا يوجه الطبيب إمكاناته وخبراته للأذى أو التدمير، أو إلحاق الضرر البدني أو النفسي بالإنسان، مهما كانت الاعتبارات، فقد نهى الشارع عن الضرر ومضارة المسلم، إذ روي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا ضرر ولا ضرار في الإسلام»، وقال: «من ضار مسلما ضاره الله».
وقال د. إدريس: لقد ورد في تحريم العبث بمقومات الشخصية الإنسانية عن طريق استعمال الهندسة الوراثية، واتباع الشيطان في غوايته إلى تغيير خلق الله تعالى، قول الله عز وجل عن محاولة إبليس إيقاع الإنسان في هذه المعصية: (وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ...)، «سورة النساء: الآية 119»، ثم قال سبحانه محذرا من اتباع الشيطان في ذلك: (... وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً)، «سورة النساء: الآية 119».

عدم الإضرار بالمريض
وأكد د. إدريس أن كل طبيب مطالب بأن يجند علمه وخبرته في أن يجتاز المريض حسن الرعاية، من غير ألم ولا عذاب، وذلك بما تهيأ له من أسباب العلاج والرعاية، وأن يبذل جهده في تحقيق ذلك، إذ أمر الله تعالى بالوفاء بما ألزم الإنسان نفسه به بمقتضى العقود، فقال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ...)، «سورة المائدة: الآية 1»، ونهى عن الخيانة فيما يؤديه الإنسان من عمل، وذلك بأدائه على الوجه الذي يؤدي إلى النتيجة المرجوة من أدائه، فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ...)، «سورة الأنفال: الآية 27»، كما أنه يجب على الطبيب أن لا يصف دواء يضر المريض، أو يسقط الأجنة أو يؤدي إلى العقم من غير ضرورة إليه، لنهي الشارع عن الإضرار بالغير أو التسبب فيه، وعلى الطبيب أن يستشير غيره من زملائه الذين لهم خبرة بالمرض الذي يعالجه، إن كن يجهل كيفية تشخيصه أو طريقة معالجته، لقول الحق سبحانه: (... فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إن كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ)، «سورة الأنبياء: 7»، وعليه أن يتنحى عن معالجة المريض، ليتركها لمن يكون أقدر عليها من الأطباء، إن كان لا يأنس من نفسه القدرة على ذلك.

مصارحة المريض
شدد د. أحمد عمر هاشم، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر، على ضرورة أن يلتزم الطبيب بالأخلاقيات والقيم والتعاليم التي حث عليها الإسلام للحفاظ على حياة المريض والتخفيف من آلامه، مشيراً إلى أن الأخلاقيات جزء لا يتجزأ من مهنة الطب.
وأشار د. عمر هاشم إلى ضرورة مصارحة المريض بمرضه برؤية إسلامية، مؤكداً أن الإسلام ينبه إلى مصارحة المريض، ولكن مع رفع روحه المعنوية، ومن ثم يجب على الطبيب أن يصارح مريضه بعلته إن كان في ذلك ما يفيده، وأن يختار الطريقة المناسبة لنقل حقيقة مرضه إليه، وليتلطف معه، وأن يعمل على إذكاء إيمان المريض وإنزال السكينة في نفسه، وتوثيق رباطه بالله ثقة يهون بها ما سواه، فقد روي عن عبد الملك بن عمير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما زار أم العلاء الأنصارية وهي تتوجع، قال لها: «أبشري يا أم العلاء، فإن مرض المسلم يحط الله به عنه خطاياه، كما يحط عن الشجرة أوراقها في الخريف»، وفي رواية: «فإن مرض المسلم يذهب الله به خطاياه، كما تذهب النار خبث الذهب والفضة»، وينبغي على الطبيب أن يبذل لمريضه النصح، وأن يفيده عن كل ما يتعلق بمرضه.

اتباع الهوى
أما الداعية الإسلامي د. منصور مندور، كبير الأئمة بوزارة الأوقاف المصرية، فقال: من الأخلاقيات والآداب المهمة التي حث عليها الإسلام عند مزاولة مهنة الطب أن يكون عمل الطبيب مجرداً عن العوامل النفسية التي قد تؤثر في أدائه، فليس له أن يفرق بين المرضى بحسب الدين أو العقيدة، أو الفكر أو الجنس أو اللون أو نحو ذلك، فقد قال الحق سبحانه في النهي عن اتباع الهوى فيما يقوم به المرء: (فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى? أَن تَعْدِلُوا وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً)، «سورة النساء: الآية 135»، وعليه أن يعالج العدو كما يعالج الصديق، فليس له أن يغير من طريقة علاجه مع أعدائه.
ويجب على الطبيب في المجتمع المسلم أن يكون على علم بأحكام الإسلام التي تتعلق بمهنته، وأن يلتزم بها، حتى لا يكون منه فعل أو وصف مخالف لهذه الأحكام، ومن ذلك الأحكام المتعلقة بما تشتمل عليه الأدوية من مفردات مباحة أو محرمة، والأحكام المتعلقة بالإجهاض والتلقيح الصناعي، وتنظيم النسل، والتعقيم، وعلى الطبيب أيضاً أن يستعين بفقهاء الشريعة في إصدار الفتاوى ومساعدته بالرأي في المسائل التي يعتبر الترخص فيها بسبب المرض متوقفاً على رأي أهل الخبرة من الأطباء، وتلك التي يتوقف الحكم الشرعي فيها على قولهم، باعتبار ذلك شهادة منه فيما يتوقف الحكم الشرعي على قوله فيه.

حُكم إنهاء حياة مريض
حذر د. عبدالفتاح إدريس من خطورة إقدام الطبيب على إنهاء حياة مريض ميئوس من علاجه ويعاني آلامه، بل ينبغي عليه أن يخفف من آلامه بقدر الاستطاعة حتى يأتي أجله المحتوم، لأن إنهاء حياته قتل له بغير حق، وقد جاءت نصوص كثيرة تنهى عن ذلك، منها قول الحق سبحانه: (وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلاَّ بِالْحَقِّ...)، «سورة الإسراء: الآية 33»، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «اجتنبوا السبع الموبقات، قيل: وما هن يا رسول الله؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات».