الملحق الثقافي

التنوير بروح إماراتية

اللوفر أبوظبي إشعاع حضاري ينير السعديات

اللوفر أبوظبي إشعاع حضاري ينير السعديات

استطلاع:
* ساسي جبيل
* إيهاب الملاح
* محمد عبد السميع
* محمد نجيم

من منا لم يسمع عن أشهر متحف في العالم، وقبلة كل عشاق الفن والثقافة والحضارة، المقصد الأول لكل زوار باريس؛ «لوفر العجائب». إذا كنت ممن سمعوا عن المتحف العريق، وترغب في زيارته، فإن ذلك أصبح أكثر قربا من السفر إلى القارة العجوز، لقد اقترب متحف اللوفر أكثر من أي وقت مضى، ليصبح، في نسخته الظبيانية المتألقة، على ضفاف الخليج العربي، وتحديدا في العاصمة الإماراتية أبوظبي، أول متحف عالمي في الشرق الأوسط، وأول فرع للمتحف الباريسي العريق، يفتح أبوابه خارج فرنسا، لكنه يمارس التنوير هذه المرة بروح إماراتية.

أيام وتشهد أبوظبي الحدث الفني والثقافي الأكبر ربما في العقد الأخير؛ افتتاح متحف اللوفر أبوظبي الذي يقدم نموذجا رائعا لروح الانفتاح والحوار بين الثقافات، وهو الأمر الذي تترجمه على أرض الواقع أعمال فنية فريدة تحمل أهمية تاريخية وثقافية واجتماعية تعود إلى مختلف الحضارات قديمها وحديثها، وتسلط الضوء على الكثير من المواضيع العالمية والتأثيرات المشتركة بهدف إبراز أوجه التشابه والتبادل الثقافي الناتجة عن التجربة الإنسانية المشتركة، التي تتجاوز حدود الجغرافيا والجنسية والتاريخ، وتكمن أصالة الرواية السردية للمتحف في تسليط الضوء على مختلف الحضارات.
بهذه المناسبة الثقافية الكبرى، استطلع (الاتحاد الثقافي) آراء مثقفين وكتاب ونقاد عرب، وعاد بهذه الانطباعات والآراء .
استهل الناقد الفني المصري محمود عبد الشكور حديثه حول هذا المنجز الكبير وغير المسبوق، بحماس جارف، قائلا: «أنظرُ إلى هذه التجارب بمنتهى الجدية، وأراها في صميم معنى الأمن القومي؛ لأن عقولًا خاوية، وقدراتٍ لا تتحقق، تمثل فراغًا مزعجًا، يمكن أن يشغله المهاويس والمتطرفون والجهلة من حملة مباخر التخلف والأمية المتسترة بالدين، والتعليم الذي كان قديمًا يكتشف قدرات الطلاب، مشغول حاليًا بنماذج الأسئلة، و»البوكليت» ومواجهة الغش، ودرجات الامتحان، ومكاتب التنسيق!».
ويضيف صاحب «سينمانيا»: «دائما ما أردد وأكرر أنه لا سبيل إلى الخروج من الكثير من الأنفاق التي نتخبط فيها إلا بتنشيط الحس الجمالي والفكري والارتقاء بالوعي الثقافي العام والذائقة الفنية، ولن يتأتى هذا إلا بإشاعة الجمال ذاته والتعرف عليه.. إن «اللوفر أبوظبي» أحد إعجازات الإمارات التي ما تزال تدهشنا وتبهرنا بقدرتها على تحقيق الإنجازات والمعجزات في زمن يسود فيه الجهل والتطرف والتعصب، وفي ظني، سيكون «اللوفر أبوظبي» أحد أفضل المتاحف التي يشاهدها الناس تنظيمًا وعرضًا، وأتمنى أن يكون ضمن برنامج كل فوج سياحي أو رحلة ثقافية إلى أبوظبي».
ويختتم عبد الشكور: «أرى في هذه الأنشطة طاقة نور، وبابًا مفتوحًا للمعرفة والثقافة والفن، وأراها جديرة بالتشجيع على كل المستويات، فهي تكمّل أي نشاط ثقافي رسمي أو غير رسمي، حكومي أو أهلي، وتحارب في نفس الخندق ضد الجهل والتعصب، ولذلك أدعو الجميع وكل من لديه المقدرة من المثقفين والفنانين في تلبية الدعوات والإقبال على زيارة هذا الصرح والتعريف به والحث على مداومة الاطلاع على مقتنياته الفريدة، ليس لأن ذلك من باب الواجب فحسب، وإنما لكي يعودوا سعداء بهذا الجيل، الذي ما زال حريصا على الثقافة والفن، وراغبا في المعرفة، وأخيرا شكرًا لكل من ينحاز للنور والجمال في مواجهة القبح والظلام».

السياحة الثقافية
من جانبها، قالت الناقدة الثقافية المصرية، الدكتورة هبة شريف، الرئيس السابق للمكتب الإقليمي للمؤسسة الثقافية السويسرية «بروهيلفتسيا»، في مصر والشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وأستاذة الأدب الألماني إن أبوظبي صارت الآن من العواصم السباقة في المنطقة التي تضخ استثمارات ضخمة في السياحة الثقافية بما تشمله من مقاصد ومزارات ومتاحف.. إلخ، ومتحف اللوفر أبوظبي واحد من هذه المشروعات العملاقة الضخمة التي تجعل من أبوظبي أحد المقاصد السياحية والثقافية الكبرى، فضلا على أن وجود فرع آخر لـ «اللوفر» بكل شهرته العالمية، في منطقة الشرق الأوسط، والمنطقة العربية، تجعلها مقصدا لذاته وقبلة فنية وثقافية مميزة.
وأضافت شريف أن الإمارات تهدف ضمن جملة أهدافها الرئيسة واستراتيجيتها القريبة والبعيدة على السواء، إلى إنعاش السياحة؛ بالتحديد «السياحة الثقافية»، وجذب رؤوس الأموال للاستثمار خاصة في العقارات والبناءات العملاقة، وبناء المتاحف العالمية هو جزء من وسائل جذب الانتباه للمنطقة؛ لتصبح جذابة في أعين من يريد الإقامة والسياحة. وبالتأكيد فإن التفات إلى جعل الأحداث الثقافية الكبرى، والمتاحف العالمية جزءا من محاولات جذب السياحة الثقافية لأمر مهم وضروري.

عوائد ضخمة
بدورها أبدت الناقدة التشكيلية المصرية، تغريد الصبان، حماسا لافتا للحدث الكبير، معربة عن سعادتها بأسبقية المنطقة العربية ككل في افتتاح أول فرع للوفر خارج حدود فرنسا؛ مشيرة إلى أن قبول فرنسا والمجتمع الثقافي الفرنسي مشروعا كهذا لهو دليل واضح على الثقة في قدرة الإمارات وإدارة أبوظبي على إنشاء مشروع كهذا، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى يحسب للعرب كلهم أن مقصدا ثقافيا وفنيا بهذه الضخامة قد أقيم على أرض عربية، وسيصير أحد الجهات الجاذبة للسائحين والراغبين في المعرفة والثقافة على السواء.
وأوضحت الصبان أن حجم الإفادة من حدث كهذا سيكون من الضخامة وبعد الأثر، منها ما هو على المدى القريب، ومنها ما هو على المديين المتوسط والأبعد. منها على سبيل المثال إعادة الاعتبار للجانب البصري من الثقافة العربية، أو بعبارة أخرى إحياء الاهتمام بجماليات الثقافة البصرية التي تكاد تكون غائبة أو متوارية عن خارطة ثقافتنا العربية المعاصرة.؛ كل هذا فضلا عما ستوفره المعروضات والمقتنيات واللوحات النادرة والثمينة من ثقافة ومعرفة لطلابها الأصلاء والمتخصصين، ولهواة الفنون وكل راغبي الاستمتاع والفرجة على أعظم ما أنتجته البشرية من إبداع وابتكار بصري، تصويري، ليس له نظير.
كمشروع استثماري، والحديث ما زال لتغريد الصبان، سيكون له عوائده الكبيرة والضخمة ليس فقط على الإمارات بل ستشمل هذه العوائد محيطها العربي أيضا، سيتجدد النشاط وحركة الانتقالات والتبادل السياحي والثقافي بين البلدان العربية في سبيل تيسير رحلات أقل كلفة من مثيلتها حال الاتجاه إلى فرنسا، مثلا، سيصبح في مقدور الكثير من أبناء البلدان العربية، خاصة من المهتمين والمتخصصين الاتجاه إلى «لوفر أبوظبي» مباشرة عبر تنظيم مثل هذه الرحلات وتقديم العروض الجاذبة بما يجعل حركة التوافد على المتحف مستمرة بذات الكثافة والإقبال طوال العام.
واختتمت الصبان بقولها: لا بد من الاعتراف بقيمة وحجم ما تقدمه الإمارات للثقافة العربية؛ هذا أمر لم يعد محل شك ولا جدال، بل الأهم أنه صار بمقدورها قيادة قاطرة التحديث والمعرفة والنمو في محيطها العربي والآسيوي معاً.

النشأة المستأنفة
الباحث والناقد التونسي د. محمد أمين بن مسعود افتتاح اللوفر أبوظبي بـ النشأة المستأنفة أو الحياة الثانية التي تضخها المشاريع الكبرى في شرايين منظومات الفن والجمال ومسلكيات الحضارة والثقافة، وقال: يأبى افتتاح متحف اللوفر أبوظبي إلا أن يسجل رسما واسما صلب التراكمات الحضارية والتاريخية بين المشرق والمغرب؛ بين باريس عاصمة الأنوار وأبوظبي نور العواصم الخليجية والعربية. لم تكن القضية بأي شكل من الأشكال ولن تكون أيضا إسقاطا حضاريا لمشاريع غربية يقع إسقاطها في الحواضر العربية ولن يكون التدشين والافتتاح استدرارا لفلسفات الجمال وتطويعها في غير تربتها الأصيلة إنما المسألة في عمقها تبيئة ومثاقفة وأنسنة وانفتاح وتشارك وتفاعل ترنو الحضارات إلى تكريسها زمن لغة القتال وسفك الدماء.
يعرف عن الرئيس الفرنسي مانويل ماكرون عشقه لفلسفة يورغان هابرماس، فلسفة التذاوت والتطارح بين الفاعلين الاجتماعيين تكريسا لمقولة المجال العمومي الديمقراطي والتعددي. اليوم سيكون ماكرون شاهدا على تفاعل حضاري ثقافي قصد خلق بيئة دولية جديدة قوامها الحوار بالتفكير لا الاغتيال المعنوي والمادي بالتكفير... ولئن وضع بعض مفكري الحروب ومنظري الأزمات قراءة استشرافية لتدافع الأمم قوامها نهاية التاريخ وتاريخ النهايات الحضارية فان باكورة اللوفر ابوظبي تؤكد من جملة ما تؤكد عليه أن الحضارات بإمكانها أن تتشارك في البناء والتفاعل والتأصيل في حال حكم التعقل الجماعي سواء لدى الفاعلين السياسيين أو لدى صانعي الرأي وقادة التحليل والتعليق...
في المحصلة هو براديغم انثروبولوجيا الثقافة أو سمّه إن شئت فلسفة الحضارات الإنسانية حيث تنفتح المشارب الجمالية والفنية والفكرية في منجز إنساني دون فعل إسقاط أو مفعول استلاب. عمدت الكثير من العواصم العربية الى سلعنة الانتاجات الحضارية عبر توريدها جاهزة ومعلبة ومشيَّئة أيضا وهي في هذا السياق لا تؤشر فقط الى تبخيس لمعاني الحضارة وإنما ايضا تضع على نفسها الدليل بالاستقالة العلنية من فعل التأسيس والتأصيل. في المقلب الثاني تعيش عواصم أخرى معنى الاستلاب والاستعمار الثقافي والانبتات الهويّاتي من خلال انسحاب معالم الفكر والثقافة الغربية وخاصة منها الفرنسية على مسلكيات التفكير والتحرير والتحبير. وفي الحالتين تعامل متحامل على مياسم الثقافة. فلا اشتراء المنظومات الفكرية دليل اغتناء ولا الانصهار صلب المقاربات الغربية مؤشر رخاء وارتقاء.
يعيد متحف اللوفر أبوظبي الأمور الى نصابها. حيث الثقافة الغربية المبيَّئة في سياقها العربي وحيث التفاعل دون انضواء أو انصهار... حيث الأصل الثابت والفروع في السماء.

توقعات عالية
واعتبر الباحث والناقد التونسي وليد وسيعي افتتاح متحف اللوفر أبوظبي حدثاً عالمياً، وقال: في نفس اللحظة التي تجاهد فيها النخبة والمجتمع في بعض بلداننا العربية من أجل استحقاق متحف وطني للفنون التشكيلية او متحف للفن المعاصر يحفظ الذاكرة الجمعية البصرية والفنية من التلف في أقبية ومخازن وزارات الثقافة، يأتي خبر طال انتظاره على شكل بشرى سارة، خبر يتجاوز بعده المحلي والوطني ليصير حدثا عالميا « افتتاح متحف اللوفر ابو ظبي في 11 نوفمبر « بعد ترقب دام لسنوات.
يشكل الفن في بعده الإنساني دليل تفوق وارتقاء، فكل أمة من أمم العالم المتحضر تسعى إلى تشكيل وعيها الإنساني بما تنتجه من أثار فنية من ناحية أولى وكذلك بما تقدمه للمجتمع الفني العالمي من خدمات تسهم في نشر ثقافة الإنسان الحديث ، كما أنها في نفس اللحظة تستثمر في الإنسان، ليس فقط في بعده الاقتصادي والاجتماعي ولكن في مسائله الذوقية والجمالية. التي تعد من أوكد الحاجيات لإنسان العصر الراهن. الإبداع هذه الميزة التي تتنافس الشعوب المتقدمة على تغذيتها في شعوبها ومواطنيها بتطوير الذوق العام عبر إحداث المتاحف والتشجيع على تأثيث الساحات العامة بمنحوتات مختلفة الروافد والمعالم الجمالية واستقبال الفنانين من كافة أنحاء العالم عبر تنظيم ملتقيات دولية حتى تصقل ملكة التذوق لدى مواطنيها. وتركيز ذائقة نقدية ثرية من الناحية الفكرية والإبداعية فقط «لان التعليم يحمي الحرية أفضل بكثير من جيش مرابط «كما يشير الى ذلك «ادوارد إفرت».
المتحف الذي كان وليد اتفاق بين حكومتي فرنسا والإمارات جاء ليستجيب لتطلعات الشعوب العربية التي أنهكتها الحروب والصراعات وليكون ترجمان ميدانيا ناجحا لسياسة حكومية ممنهجة من شأنها أن تنعكس إنسانيا وثقافيا وحضاريا على الحركة الفنية في العالم العربي ، وإن كنا لا نبخس دولة الإمارات حقها بما قدمته سابقا للفنانين العرب من فرص للالتقاء والتطور عبر تنظيم الندوات العلمية والملتقيات الدولية والمسابقات الفنية في النقد الفني فإن افتتاح المتحف قريبا يعد قفزة كبرى ننتظر منها نتائج كثيرة ومن ذلك:
= تشجيع الحركة التنافسية للفنانين التشكيليين العرب والنقاد على السواء، وذلك برفع مستواهم الفني وتوفير فضاءات عرض بمستوى عالمي يضاهي مثيلاتها في العالم.
= تقريب أعمال فنية عالمية من الجمهور العربي وذلك باستعارة أعمال فنية شهيرة من المتاحف العالمية.
= خلق قطب ونواة فنية صلبة في الفضاء العربي من شأنه تعزيز الثقة لدى الفنانين العرب في مواهبهم الفنية بما يضمن تشكيل حركة ذات خصوصية عربية.
= بالإضافة إلى الانعكاسات الاقتصادية والحضارية بما سوف يوفره من مداخيل متأتية من السياحة الثقافية أساسا من زيارة المتحف ومعارضه الدائمة والمؤقتة. لكن يبقى المراهنة على تعزيز الذوق الجمالي البصري العربي من أوكد المهام واكثرها إلحاحا في الفترة الحالية.

من كان يحلم بذلك؟
ويتساءل الشاعر والناقد العراقي المتخصص في الجماليات، د. شاكر لعيبي: متحف اللوفر أبوظبي: من كان يحلم بذلك؟ من كان يعرف أن جناحاً كبيراً للوفر يمكن أن يكون في المنطقة العربية؟ هذا حلم لم يكن ممكناً التفكير به منذ وقت قصير، لكنه يصير اليوم واقعاً متحققاً، فالاتفاقية المعقودة في أبوظبي بين الإمارات والدولة الفرنسية وضعت حجر الأساس لمشروع ذي خصوصية عالمية: إمكانية تنقُّل المعارف المؤسساتية ذات التاريخ الطويل، كالمتاحف العريقة، من جغرافية ثقافية أصلية إلى جغرافيات متباعدة حاضنة، مع ما يستدعيه ذلك من مغامرة معرفية وتمدُّد للفضاء الثقافيّ على المستوى الكونيّ. فاللوفر الذي هو بالأصل قلعة بناها فيليب أوغوست عام 1190 في باريس، لصدّ الهجمات على المدينة أثناء غيابه في الحملات الصليبية، والتي تحولت فيما بعد إلى قصر ملكي عرف باسم قصر اللوفر سكنه ملوك فرنسا حتى زمن لويس الرابع عشر المنتقل إلى قصر فرساي عام 1672. من حينها تحول اللوفر، مبدئياً إلى متحف احتوى في البدء على مجموعة من التحف الملكية والمنحوتات، ثم مع اتساع دور فرنسا الاستعماريّ واتساع حملات الاستكشاف والتنقيب في مصر وبلاد الرافدين واليونان صار إلى ما صار إليه اليوم. هل كان فيليب أوغوست الذي جاء إلى الشرق، مع ريشارد قلب الأسد، محارباً وغازياً (بين 1190 - 1199) يعرف أن اسم قصره الأثير سيكون في قلب هذا الشرق عام 2017؟ هذه من مفارقات التاريخ السعيدة بالأحرى.
أمران يستدعيان التوقّف عندهما بمناسبة افتتاح لوفر أبوظبي، الأول أن المعماري الذي صمّم بنايته هو جان نوفيل. وهذا مكسب عظيم لنا إذا ما أحسنّا الإعلان ع نه وترويجه فنوفيل هو نفسه مصمّم التحفة المعمارية: «متحف العالم العربي»، الشهير بالنسبة لجميع زوّار وسيّاح باريس. وهنا علينا التذكير أن جان نوفيل ولد عام 1945 وأنه كان يعمل مع شركة معمارية. في عام 1975 افتتح مكتبه الخاص، وشارك في عدة مسابقات، وكان يعمل على خلق لغة أسلوبية منفصلة قليلاً عن (الحداثة) المعمارية وما بعد الحداثة. وقد رفض الانقياد إلى لغة لو كوربوزييه التي خنقت الكثير من العمارة الحديثة، على الرغم من أنه قد يستعير من الأشكال التقليدية، خالقاً عمائر تتجاوز الاشتراطات المألوفة. إنه يعير أهمية قصوى لتصميم مبان متناغمة مع الموقع والمناطق المحيطة بها. لذا فالسياق مهمّ لتوالد تصاميمه، حيث ثمة سلسلة مترابطة من التصاميم التي يخرج الواحد منها من الآخر. في جميع تصاميمه تقريباً، قدّم نوفيل عناصر للتفاعل بين الشفافية والظل والضوء.
الأمر الثاني: إذا كان هدف مشروع متحف لوفر أبوظبي أن يكون حلقة وصل بين الفن الشرقيّ والفن الغربيّ، فإننا نأمل أن يُتاح أوسع المجال أمام المتخصصين العرب بالفنون مع زملائهم الفرنسيين. هنا مناسبة لذلك.

إنجاز تاريخي
وتشير الناقدة والفنانة التشكيلية دلال صمايري إلى أن إنشاء متحف اللوفر أبوظبي تكريس جمالي لمبدأ كونية الفنون والثقافات، وتقول: لا يمكننا نحن كتشكيليين ومهتمين بالشأن الفني والثقافي بالوطن العربي أن لا نتفاعل مع الإنجاز التاريخي الذي أقدمت عليه دولة الإمارات العربية المتحدة والمتمثل في افتتاح متحف اللوفر أبوظبي، الذي يعتبر أحد أهم المشاريع الثقافية الطموحة على مستوى العالم حيث تفخر فرنسا على لسان وزيرة الثقافة فرنسوا زنيسين بالدور الرئيسي الذي تلعبه في إنشاء هذا المتحف والإشراف عليه من خلال توظيف خبرتها في مجال إدارة المتاحف وإعارة الأعمال الفنية من مجموعتها الوطنية وذلك على مدى عدة عقود.
هذه الخطوة جاءت لتضيف للإنجازات الكبيرة لدولة الإمارات في ميدان الفنون البصرية، حيث سيشكل نقلة نوعية من حيث الإضافة التي سيقدمها للمجتمع الإماراتي والدول العربية بصفة خاصة وللمشهد الفني العالمي بصفة عامة. حيث سيمثل مرجعا بصريا تأريخيا مهما يعود إليه الناشئة والمهتمون بميدان الفنون بمختلف أنواعها إما للاكتشاف والاستمتاع وتنمية الثقافة البصرية، واما لإقامة الدراسات والبحوث الفنية من خلال التواصل مباشرة مع الأعمال الفنية والمكتسبات الحضارية دون وسيط افتراضي.
هذا المعلم الثقافي المادي الذي يتخذ من أبوظبي مقرا له سيمثل مكسبا محليا وكونيا يخدم هدفا نبيلا يفتح ذهن الناشئة على الجمال ويسحبهم الى عوالم الاستيتيقا ويرفع من مستوى التفاعل مع الاعمال الفنية المختلفة المدارس والاساليب، بما أنه سيجعل المقبل عليه يكتشف تاريخية ومرحلية تطور الفنون من الكلاسيكية مرورا بالحداثة وصولا الى المعاصرة وهذا لعمري انجاز كبير يجعل من المواطن الاماراتي والعربي مواكبا لتاريخية تطور الحراك الفني العالمي ويكرس مبادئ الانفتاح الفوري على ما يحدث في العالم من تنوع واكتشافات، بالإضافة الى المهمة التربوية التي يمكن أن يضطلع بها بمجرد إدراج زيارته ضمن مناهج التربية والتعليم منذ مراحله الاولى خاصة وانه سيقدم معارض ومتحفا خاصا بالأطفال.
كما سيساهم بصفة كبيرة في تنمية الاقتصاد بما أنه سيكون منارة مفتوحة للزوار من مختلف دول العالم ، هذا بالإضافة إلى رفع منسوب الحراك الثقافي بالمنطقة بما أنه سيلعب دور همزة الوصل بين الفنون الشرقية والغربية لتكريس مبدأ كونية الفن. هذا التكريس لمبدأ كونية الفنون والثقافات سيترجم من خلال ما سيحتويه المتحف من تنويع في نوعية الفنون والتحف الاثرية المختلفة الانتماء والمتقاربة من حيث قوة الابداع وخصوصية الشعوب، كما سيحتفي بأبرز الحقبات الفنية الإنسانية في مختلف الحضارات والثقافات عبر العالم بأسلوب وسياق عرض جديد يتأسس على مبدأ الاحتفاء بحوار الفنون والاديان والصنائع والافكار وتعدد حضورها.
هذا المجال الذي سيفتحه متحف اللوفر أبوظبي للاحتفاء بالفنون والحضارات على مستوى عال من الحرفية، بحيث لا يمكن الا أن ينعكس بصفة ايجابية على تطور الفنون وتأطير الناشئة جماليا لتكوين جيل جديد من الفنانين والمثقفين والمبدعين الذين سيجدون أرضية خصبة وملائمة للتشبع والتمكن من ميدان لا يزال بعيداً عن ما يشهده العالم رغم كل الجهود المبذولة وذلك عائد بالأساس الى غياب ثقافة المتاحف الجامعة للتعدد والكونية وحسن إدارتها وتوجيهها في عملية البناء الثقافي للشعوب، والذي فتحت أبوابه دولة الامارات بهذا الانجاز الذي جاء تكملة لما قبله وعلى يقين بأنه لن يكون الأخير.

المشترك الإنساني
«اللوفر أبوظبي» أول متحف من نوعه في العالم العربي، برؤية عالمية، يسلّط الضوء على أوجه التشابه والقواسم المشتركة للتجربة الإنسانية عبر مختلف الحضارات والثقافات.
ويعرض «اللوفر أبوظبي» مجموعة مقتنيات وأعمالٍ معارة من أعرق المتاحف في فرنسا، تستمد أهميتها من بعدها التاريخي والثقافي والاجتماعي، وتروي قصصاً من مختلف الحقب التاريخية التي مرّت بها البشرية، وهي مُعارة من 13 مؤسسة ثقافية فرنسية، كما يحتوي المعرض على نحو 145 من اللوحات والمنحوتات والأعمال الفنية الزخرفية، وغيرها من القطع المهمة من مقتنيات متحف اللوفر وقصر فرساي.

تقول د. صباح المحمودي، أستاذة في كلية الإمارات للتكنولوجيا، إن أبوظبي، وهي تعيش على وقع افتتاح متحف اللوفر لأول مرة في دولة عربية، تنبض بالحياة الثقافية وتنبض معها قلوب الإماراتيين والمقيمين والزائرين لهذا الحدث العالمي. فها هي إبداعات الإنسانية تلتقي في جزيرة السعديات التي تمثل صرحا من صروح الثقافة الإنسانية تختزل المكان والزمان. ومع وجود اللوفر أبوظبي سوف يتمتع الزائرون، لمدة عشر سنوات ولأول مرة في تاريخ إعارة المتاحف، بمشاهدة ما يفوق ثلاثمائة قطعة أثرية وتحفة فنّية من أرجاء العالم. وتؤكد المحمودي أن هذا الحدث يجسد التجارب الإنسانية اللامادية، والمعرفة التي شاركت فيها الإنسانية لتتناقلها الشعوب، ويضيف لبنة أخرى في البناء الثقافي والإنساني. والإمارات بهذه الخطوة وغيرها تتميز بتقديم منظور جديد لرؤية الموروث الإنساني، كما تحقق قفزة نوعية على صعيد السياسات الثقافية للدول، بوصفها خياراً مستقبلياً لتدعيم التثاقف بين الأمم والخروج من منطق المحلي إلى أفق الكوني في تناغم مع ما أفرزته العولمة الثقافية. فبعد إرساء المتاحف الوطنية تنتقل الإمارات إلى مقاربة للحضارة والفن ذات رؤية عالمية، كونية، تستبطن معاني أواصر الإخاء والتسامح والانفتاح في ميادين الثقافة الإنسانية والعطاء في حقول الحضارة العالمية.
إن هذه البادرة تتجاوز المهرجان المشهدي والراهنيّة لتحمل في ثناياها جزءاً من التنشئة الاجتماعية والثقافية التي تضع في اعتبارها البيئة المتنوعة والتفاعل بين المحلي والكوني، ولعل السفر الذي يعتبر من مكونات الشخصية الإماراتية، يحضر هنا ولكن بمعنى آخر.. هنا تسافر عبر حقبات من الزمن وأنت في مكانك. قد لا تسافر وتأتيك الحضارات إلى عقر دارك، وتخرج من التقوقع على الموروث السائد لتبدع ثقافة تجاري العصر بهضم الثقافات الأخرى وعدم القطع مع الوجه الإنساني للحضارات.
ولا شك في أن هذه الاجتراحات الإماراتية الثقافية تتناغم مع سير التاريخ، فالاتجاه التاريخي العام يدنو من تقارب الثقافات وتلاقحها، وقد ازداد اليوم اتساعاً وعمقاً بفضل ثورة الاتصالات التي جعلت التلاقح الثقافي يجري بكثافة غير مسبوقة.

أخذ بأسباب التقدم
ويعتقد الباحث والناقد التونسي محمد المي أن المتاحف عنوان تحضر الأمم، ويقول: ما من شك في أن المتاحف عنوان تحضر الأمم، ومقياسا من مقاييس تقدمها. وقد بقيت الأمة العربية رغم عراقة تاريخها وعمقها الثقافي والحضاري غريبة عن ثقافة المتاحف، فحتى المتاحف الموجودة في بعض الأقطار العربية فإنها تؤرخ للماضي البعيد: الفرعوني أو الفينيقي أو البوني أو الروماني أو القرطاجني...الخ.
أما الفن الحديث والمعاصر فقد بقينا كالغرباء عنه رغم صلتنا الوثيقة به، وكأن حضارتنا المعاصرة لم تنجب فنانين ونحاتين فظللنا نجترّ ما قاله العلامة ابن خلدون (المغلوب مولع بتقليد الغالب)، وكأن الخسارة والغلبة قدر.
أن نبعث متحفا لنجمع فيه منحوتات ورسوم الفنانين من مختلف أنحاء العالم والجنسيات، فيجتمع لدينا ما به نباهي ونفاخر، وتكون أبوظبي قبلة للسياحة الثقافية، فذلك ما نرنو إليه وما تشوقنا له منذ زمن. وإنشاء متحف للفن الحديث والمعاصر على غرار اللوفر عنوان حداثة باريس هو شكل من أشكال الأخذ بأسباب التقدم.

عنوان بارز لإنسانيتنا المشتركة
أما الفنان التشكيلي المغربي المنصوري الإدريسي سيدي محمد، رئيس جمعية للفكر التشكيلي ونائب رئيس النقابة المغربية للفنانين التشكيليين المحترفين فيقول: مبادرة متحف «اللوفر أبوظبي «تجربة نموذجية على الصعيد الدولي، لأنها تعكس مدى اهتمام الوطن العربي والإسلامي بالأعمال الفنية ذات البعد التاريخي والثقافي والاجتماعي، كما أنها تساهم بشكل ملموس في الإشعاع الإنساني والكوني للإبداع خارج كل النزاعات الإقليمية الضيقة، والأطروحات الهوياتيّة العمياء، هذا المتحف النموذجي عنوان بارز لإنسانيتنا المشتركة بعيدا عن كل شعارات «الحداثة والمعاصرة»، فتاريخ الفن الذي تحتضنه المؤسسات المتحفية هو تاريخ الإنسان بلا منازع ولا يجب تبخيس بعض منجزاته أو الاقتصار على بعض معالمه. فرادة هذا المتحف تكمن في كونه يعرض مقتنيات فنية تعود ملكيتها إلى حكومة أبوظبي إضافة إلى أعمال إبداعية أخرى تمثل أعرق المتاحف في فرنسا، أتمنى أن تعمم مثل هذه المبادرات على الصعيد العربي الإسلامي، لأنها تكرس ثقافة الانفتاح على التراث الجمالي العالمي، وتمكن من التفاعل الإيجابي معه. كما تعزز الوعي بأهمية الاستثمار في التراث الفني المحلي ودعم مبدعيه ماديا ومعنويا.

استكمال للمسيرة
وتصف الكاتبة البحرينية الدكتورة رفيقة بن رجب ما تشهده أبوظبي حالياً بـ «العرس الثقافي منقطع النظير»، وتضيف: «أصبح اليوم الحلم حقيقة وواقعا معاشا على أرض الواقع. ولا اعتقد أن هذا جاء عن طريق الصدفة بل هو استكمال لمسيرة ثقافية لها أبعادها المترامية الأطراف. إنه جهد فريق عمل بروح القلب الواحد. وضع أمامه معايير آلى على نفسه تفعيلها والنجاح في محاورها منذ البداية فقدم نموذجا فريدا من نوعه، اقتحم معه كل الصعوبات وأثبت للعالم من حوله بأن العمل إذا جاء مؤطرا بالأسس الممنهجة بتقنيات مدروسة سوف يتخطى كل المسافات ليكون رديفا للإبداع والفن المعماري».
وتضيف د. بن رجب: لو حاولنا إلقاء الضوء على متحف اللوفر أبوظبي باعتباره معلما جديدا سنجد أنه يرتكز على المقومات الفنية غير المكررة على الإطلاق، فكل ما فيه مبتكر بأيدي مهرة ومتخصصين. ولعل الهدف الأساسي من التماع تلك الفكرة في أذهان المهتمين هو خلق حلقة وصل بين الفن الشرقي والفن الغربي. هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية تصميمه كمجمع سياحي وثقافي يخدم أكثر الفنون المعمارية والسياحية. إننا أمام قيمة حضارية واستراتيجية تعمل جاهدة على إبراز أهم القيم لتحقيق ذاك التبادل الناجح والمنتج على جميع المستويات، بغية إبراز الهوية والحفاظ عليها باعتبارها نموذجا شامخا للعراقة، وفتح آفاق المعرفة للإبداع والفن والابتكار. وكل ذلك من أجل الارتقاء بالوطن ليتبوأ الدور الريادي في العالم.
ويكفي هذا المتحف الذي أطلق عليه لوفر الصحراء شرفاً أنه المتحف الأول من نوعه في العالم العربي، فالمشروع كنز فكري حيوي لا يعادل بالماديات لأن قيمته الحقيقية تفوق ذلك بكثير.
ولو حاولنا البحث عن العلاقة بين المتاحف ومفهوم الثقافة السياحية لوجدناها متداخلة إلى حد كبير لأن مثل هذه المشاريع الضخمة لم تقام لمجرد العرض والمتعة، فهي حجر الأساس الذي يمثل الثقافة بكل أبعادها الممتدة عبر قرون طويلة، ولن تبقى مثل هذه المنعطفات الجبارة بمعزل عن طبقة المثقفين الذين يجدون فيها ضالتهم لتحقيق بنية المجتمع وأيديولوجيته التي تتفاعل مع كل جديد على الساحة.
ولو تساءلنا يا ترى كيف تفعل مثل هذه المشاريع الضخمة؟
نقول إن مثل هذا المتحف الضخم الذي كلف الدولة مبالغ طائلة فضلا عن الجهد الاسطوري المبذول لا يمكن أن يقام فقط من أجل تحقيق المتعة والترفيه عن الذات.
بل علينا كطبقة واعية، بوجه خاص، تخطي عتبة الخارج للوصول إلى داخل هذا المتحف الهائل، لرؤية ودراسة كل جزء من أجزائه، وتفعيله وفق دائرة التصورات بعيدة المدى وبشموخ يتناسب مع منظومة فخامته وسَمْتِه الحضاري.

من الهامش إلى المتن
ويذهب الفنان التشكيلي والأستاذ الجامعي التونسي د. خليل قويعة إلى أن اللوفر أبوظبي يعني معادلة جديدة في كتابة تاريخ الفن الإنساني، ويقول:
إنّ افتتاح لوفر ثان بالعاصمة الإماراتيّة يمكن أن يتنزّل في سياق منظومة جديدة في السّياسة الثقافيّة العالميّة حيث للضفّة الشرقيّة نصيب من الأهمية بمكان. منظومة تلقي بضفافها على المستوى الاستراتيجي الإقليمي وتبشر بقيم مأمولة لعلّ أهمّها أنّ ثقافات الشعوب تردّ الاعتبار لنفسها أوّلا وتشارك ثانيا في كتابة تاريخ الفنّ العالمي، ومأمولة من جهة أنّها تتعلّق بخلق مراكز إشعاع لتاريخ الفنّ خارج الأطر المركزيّة التّقليديّة التي طبعت الحداثة وما بعد الحداثة.
إذ لا ريب، لقد وقع حصر معالم الحداثة في الإبداع الفنّي في الفضاء الأوروبّي، كما وقع تركيز مؤسّسات «عالم الفنّ » المعاصر في الفضاء الأميركي... فيما بقيت تجارب التّحديث والمعاصَرة في الشرق، العظيم والولود، على هامش التّاريخ المتحفي وخارج مؤسّسة المتون والنّصوص النّقديّة والتّاريخيّة والتّنظيريّة، حتى أنّ المنجز الفنّي لدى المبدعين في العالم العربي والشرقي عموما، أصبح رهين مدى حضوره المحتشم في المؤسّسات والمجموعات والأرصدة المتحفيّة خارج مجال تحرّكه، إذ كيف يتسنّى للمبدع أن يقول ذاته الفرديّة والجماعيّة ويؤكّد حضوره المخصوص بل ويضمن لأعماله وجودها الحيوي بالاعتماد على مقوّماتها الأنطولوجيّة الدّاخليّة، إذا كان حضوره لا يستند إلى سياق استراتيجي شغّال وفي غياب مؤسّسات متحفيّة مرجعيّة أو على الأقل ندرتها في المجال العربي والشرقي عموما ! وبعدُ، فليس المتحف سجنا ترقد فيه تجارب الإبداع، بل يُفترض أن يكون فضاءً حيويّا نابضا يموّل رؤى الفنّانين ويُثري مقاربات النقّاد ويسند أبحاث الدّارسين ويهدي الزّائرين عيونـًا متنوّعة لرؤية العالم والحياة، كما يصوّرها الفنّانون... وهو من هذا الجانب، فعاليّة أساسيّة لتشغيل ديناميّة الإبداع الثقافي وخدمة تطلّعات الفنّ باتّجاه أن يستمرّ دور العمل الفنّي في الفضاء المتحفي على مدى الزّمن، دون أن يطويه النّسيان...
ولذلك، وبناءً على مثل هذه الآمال والرّهانات، يمكن لمتحف اللّوفر الجديد أن يكشف عن طبقات جديدة من تضاريس الوجدان الإنساني الخلاّق، غير مألوفة لدى زائر اللّوفر الأوّل أو يميط اللّثام عن كنوز جديدة... ومن ثمّة، يمكن أن يقدّم خدمة جليلة للثقافة الإنسانيّة ويجمّع روافدها الشرقيّة والعربيّة التي طالما كابدت عناء الخروج إلى الضوء.
وعلى هذا النّحو يقع تدارك النّقص وفجوة البنية الأساسيّة للثقافة الجماليّة بالمجال الشرقي... فمن شأن هذا الإنجاز أن ينضاف إلى بعض المبادرات القليلة واللاّمعة هنا وهناك في مجال تثمين التّراث وترويج الفكر الجمالي والإبداعي.
وهكذا، إنّ آمال أحبّاء الفنّ وعشاق الحضارة وانتظاراتهم من هذا المكسب الثقافي الإستراتيجي هو أن يقدّم متحف اللّوفر، أبوظبي، معادلة جديدة في كتابة تاريخ الفن الإنساني بما يحتمله هذا التاريخ من روافد أساسيّة من خارج مقولة صراع الحضارات والخارطة الجيو- سياسيّة العولميّة، بل ومن داخل منطق الحوار الحضاري الشامل، خدمة لإنسانيّة الإنسان وحيويّة الحياة. إذ العمل الفنّي الحقيقي، بما يتوفّر عليه من قيم الصّدق والحريّة والعفويّة، يتجاوز بطبعه خارطة القوى المبنيّة على الهيمنة. إنّه بطبيعته أكبر من الحدود الضيّقة... وعلى أمل أن يكون هذا اللّوفر الجديد لبنة في مسار التّراكم والتّواصل بين مختلف فصول تاريخ الفنّ العالمي، شرقا وغربا، جنوبا وشمالا، خارج منطق الإقصاء القديم وأن يكون امتدادا لقيم التّواصل الخلاّق الذي يرتكز عليه مفهوم الفنّ نفسه، بوصفه مرجعا إنسانيّا للتّعايش والتفاعل وضمانة للحوار الخصب وتضافر الرؤى وإجلاء ممكنات المخيّلة الإنسانيّة المبدعة... أحيّي القائمين على هذا الإنجاز الثقافي الكبير وأهنّئ كلّ القوى المبدعة في هذا الاتجاه.