يوم الشهيد

المرأة والشهادة

عندما نتحدث عن الشهادة، كقيمة مقدسة، وكتضحية ترفع صاحبها إلى أعلى المراتب، حيث تضعه في مرتبة القديسين، لا يفوتنا هنا أن نتوقف عند دور المرأة في ملحمة الشهادة والعطاء، فكما هو معروف، فإن كل رجل عظيم خلفه امرأة عظيمة، وأي عظمة تفوق عظمة الشهيد، وتصل إلى مستوى عطائه، ناهيك عن أن دور المرأة كان ولا يزال المشجع الأول للرجل، والدافع القوي له، في ولوج ساحات الوغى، حتى أنه في القديم، كانت بعض الجيوش تستعين بالنساء لدفع الروح المعنوية ورفع روح العطاء والشجاعة في الرجال، ومن هنا بدأت ما تعرف بأغاني الحروب الحماسية التي كانت ترافق الجيوش في حملاتها.
هذه المقدمة قادني إليها في الواقع، ذلك المصاب الأليم الذي حل بي، باستشهاد زوجي ورفيق عمري ومعلمي في الوطنية والإنسانية، الشهيد محمد علي زينل البستكي الذي قدم أغلى ما يملك في سبيل مبادئه التي آمن بها، وهي مد يد العون والمساعدة لمن يحتاجها.
لن أبالغ بالقول إن استقبالي لخبر استشهاد زوجي، لم يمر علي بسهولة أبداً، وإنما كان له وقع الصدمة بكل ما في الكلمة من معنى، إلا أنني كمؤمنة بقضاء الله وقدره، أدركت منذ اللحظة الأولى أن علي أن أكون قوية متماسكة، كما أرادني وعلمني شهيد الإنسانية محمد البستكي الذي قدم روحه في سبيل الله والوطن والإنسانية، فولج الخلود من أوسع أبوابه، وجعلني أرفع رأسي عالياً.
صحيح أن الزوج وصديق العمر خسارة لا يمكن تعويضها، لكننا عندما نقف أمام مسؤولياتنا تجاه الوطن، وواجباتنا الإنسانية، يصغر كل شيء في سبيل الله والوطن.
فالله والوطن أولى بالشهادة، وخسارتنا بالشهداء، رغم ألمها الكبير، يجب ألا تنسينا أن هؤلاء الخالدين من البشر، كرمهم الله وأحسن مثواهم، من خلال قوله تعالى: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ? بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ).
وانطلاقاً من ذلك، فإن الوطن، أي وطن، لا يمكن أن يكون آمناً، يظلله السلام ما لم يضيء دروبه بالشهداء
وتضحياتهم السخية، ولذلك فإن الشهيد ورغم أنه يمثل خسارة كبرى لأهله ووطنه، فإنه يمثل ضريبة الدم التي يدفعها أي شعب حر، في سبيل إنسانيته وكرامته، وهو ما عزاني في رحيل شهيد الإنسانية زوجي الشهيد محمد البستكي الذي قضى وهو يحمل بين يديه المساعدات التي تقدمها دولتنا الرائدة الإمارات العربية المتحدة، الموصوفة بإنسانيتها وأياديها البيضاء للمحتاجين في أفغانستان.
والحقيقة أنني في هذه العجالة أود التذكير بالدور الذي تلعبه زوجة الشهيد في دعمه، وتشجيعه، للقيام بواجبها الكبير بكل اعتزاز بالنفس.
ناهيك عن أن الزوجة، وهي الأقرب لزوجها، تتحمل بعد رحيله مهام جساماً تفوق بكل المقاييس والاعتبارات ما تتحمله أي امرأة أخرى، حيث تصبح الأم والأب في آن واحد، وعليها تلقى أعباء كبيرة، في توجيه أبنائهما ومحاولة الأخذ بيدهم، وتفسير ما جرى لهم بأسلوب هادئ يضمن الأخذ بيدهم بعد رحيل الأب، واستشهاده في سبيل أفكار ومبادئ قيمة وإنسانية عالية.
ولعل هذا لا ينفصل أبداً عن دور المرأة عموماً في المجتمع، وضرورة وقوفها إلى جانب الرجل في الدفاع عن الوطن والقيم السامية، والقيام بدوره، بعد رحيله، ولعل هذا ما يفسر عظمة دور المرأة وأهميته، ليس بالنسبة لأسرتها وحسب، وإنما بالنسبة لمجتمعها ككل، فالمرأة كما هو معلوم تمثل نصف المجتمع، بل ونصفه الأجمل، والأكثر عاطفية وحناناً، وهي إنما تشبه الأرض بعطائها والشمس بنورها.
ولعل هذا ما تؤكده أقوال مؤسس دولتنا الحبيبة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله، الذي يقول في المرأة: إن المرأة ليست فقط نصف المجتمع من الناحية العددية، بل هي كذلك من حيث مشاركتها في مسؤولية تهيئة الأجيال الصاعدة وتربيتها تربية سليمة متكاملة.
وإن على المرأة أن تعطي الرجل حقوقه حتى يعطيها حقوقها بقدر ما تعطي العمل حقه إذا كانت تعمل..فالإنسان كالشجرة من دون الماء لا تنمو. كذلك الإنسان من دون المعيشة يتعب ويفقد نشاطه، وهو يحتاج إلى عمل المرأة واهتمامها في المنزل وخارج المنزل، كالصحة والتعليم والإعلام، وفي كل المجالات.
ولعل هذا ما تؤكده قيادتنا الرشيدة دائماً بقيادة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، حفظه الله. وإذا كان لنا أن نقول شيئاً في تلك الرسائل التي تحملها المرأة المكافحة الصابرة في سبيل خدمة مجتمعها والقيام بدورها، فإنه يمكننا القول بكل وضوح إن المرأة المؤمنة الصابرة، القائمة بواجباتها تجاه الله والوطن، إنما تشبه الماء للزرع، والأرض الطيبة التي تنتج العطاء والخير.
ولعل أحداً لا يمكنه أبداً أن يغفل أهميّة دور المرأة في المجتمع، فبدون أن تؤدّي المرأة دورها لا يمكن أن تسير عجلة الحياة، والمرأة هي شريكة الرّجل وسنده، وحين يقدّم الرّجل ما يستطيع من جهد في سبيل الإنفاق على الأسرة، ترى المرأة تنبري للقيام بدورها في المجتمع بكلّ قوّةٍ وعزيمة، وتمتلك المرأة صفات تميّزها عن الرّجل، وتجعلها قادرة على تقديم معاني الرّحمة والحنان لأولادها ورعايتهم الرّعاية الصّحيحة، ولا يمكن للرّجل أن يحلّ مكان المرأة في الأسرة، وهنا كما أراد الله عز وجل تكمن سنّة الحياة وتكامل أدوارها حين يعرف كلّ طرفٍ فيها دوره ورسالته المطلوبة منه، فيؤدّيها على أكمل وجه، لتستمر الحياة، ومن هنا فإن أهمية دور المرأة في المجتمع إنما تكمن من أهميّة الرّسالة التي تؤديّها المرأة فيه، فما هي رسالة المرأة؟
وصدق الشاعر حينما قال في مديح المرأة ودورها الفعال والمهم في المجتمع:
الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعباً طيب الأعراق
نعم إن الأم هي المدرسة، وهي نبع العطاء الأول والأكرم، فطوبى لكل أم وزوجة وأخت، لكل امرأة عاملة تكافح بشرف في هذه الحياة، لا سيما زوجات شهدائنا اللاتي يحملن الأمانة باقتدار، وبكل إخلاص، مقدمات أجمل النماذج للمرأة ودورها على مستوى العالم، وإذا كان شهداؤنا الأكارم، قد قدموا أرواحهم رخيصة في سبيل الوطن، فنالوا بذلك رضوان الله تعالى في جنته، فإن دور المرأة هنا لا يقل أهمية إنْ هي استطاعت أن تقوم بدورها الإنساني والوطني بكل جدارة ونجاح.

نورة حسن الحوسني
زوجة شهيد الإنسانية