عربي ودولي

ليبيا.. من شرعية الثورة إلى سيادة الدولة (2-3)



مراكز القوى الجديدة القديمة.. ونظام القبيلة والغنيمة

وبُعيد التحرير مباشرة، وفي لحظة مؤسِّسة فارقة، تنحّت قيادة ثورة 17 فبراير، حيث تم حل المجلس الانتقالي الذي مثل زعامة سياسية كانت طيلة أشهر الثورة محل إجماع وإشادة، في الداخل والخارج، وكان برئاسة وزير العدل السابق المستشار مصطفى عبد الجليل. وحُل أيضاً المجلس التنفيذي الذي مثل حكومة تسيير أعمال كفؤة برئاسة الدكتور محمود جبريل. واعتمد ما سمي «الإعلان الدستوري» كنظام جديد للحكم. وبانسحاب وغياب القيادتين السياسية والتنفيذية للثورة، اللتين أدارتا أشهر الصراع بكفاءة، في تلك اللحظة الفارقة، بدل قيادتهما المرحلة الانتقالية اللاحقة حتى اكتمال العبور الحرج من نقْع غبار الثورة إلى استعادة استقرار الدولة، بكل ذلك انفصل رأس ثورة فبراير ومصدر ترشيدها عن الكتلة الملتهبة من المجموعات السياسية والقبلية والمليشيات المسلحة المتزاحمة المتلاطمة داخلها. وراحت هذه الكتلة الملتهبة تفرض، مع مرور الوقت، شرعيتها الثورية الجديدة، في غياب إطار ناظم وقواعد اشتباك وضبط وربط قادرة على ترويض جموحها وجنوحها نحو الاستمرار في التغول والعنف والعسف والاستثمار في الفوضى، وفرض قانون القوة بدلاً عن قوة القانون.

وبسرعة صار في كل مدينة ليبية مجلس عسكري خاص بها، وأصبحت لكل قبيلة مجموعة كتائب مسلحة تكاد تقتصر على أبنائها، دون غيرهم. وارتسمت خطوط صدع وردع واستقطاب وتحالف قبلية جديدة تستدعي في الذاكرة بعض اصطفافات وتقاليد «الصفوف» القبلية القديمة. وكان الطابع الجهوي للمجالس العسكرية، والطابع القبلي لكتائب الثوار، مخصوماً، بالقوة والفعل، من فرص إعادة بناء مؤسسات الدولة السيادية الحيوية كالجيش الوطني والمنظومة الأمنية المركزية. وقد حمل ذلك، طبعاً، في طياته بذور صراعات الموجة الثانية التالية، شبه المعلنة دون مواربة، على خطوط صدع جهوية وقبلية ما زالت مستمرة حتى الآن، وخاصة مع إغراءات وجود الغنيمة المثيرة، ممثلة في المدخرات السيادية الكثيرة، والعائدات الريعية النفطية الكبيرة. وبسرعة ظهرت ثلاث مراكز قوى جهوية كبرى، هي قوى الثوار «الشراقة» من قبائل ومدن برقة، التي اكتسبت الكثير من السلاح الداخلي والخارجي خلال أشهر الثورة. ومجموعات مدينة مصراتة التي تزعمت ثورة الغرب الليبي وتمكنت بعض كتائبها من نهب مخازن سلاح جيش القذافي عند تحرير طرابلس، وتحالفت معها خلال التحرير وبعده مليشيات مدن جبل نفوسة من الزنتان والأمازيغ. كما نجحت مصراتة أيضاً، في تعبئة تحالف ضمني من «الحضَر» بحشد تحالف من بعض أهم مدن الغرب الليبي كزليتن والخمس والزاوية وغريان وزوارة، لتقليص أي دور أو حضور لـ«البدو» الذين كانوا يعتبرون هم القرص الصلب والشريحة النافذة في عهد القذافي وخاصة قبائل ورفلة والقذاذفة والمقارحة وورشفانة والعجيلات والنوايل والصيعان.. الخ. وأما مركز القوى الثالث فظهر في الجنوب في مدينة سبها، عاصمة إقليم فزان، ممثلاً في قبائل أولاد سليمان، وزعامتهم التاريخية التقليدية أسرة سيف النصر، وقد لعبت هذه الأسرة دوراً مؤثراً في ثورة فبراير ولها خصومة مزمنة مع نظام القذافي، وزحياناً بعد الثورة مع قبيلة القذاذفة.

وراحت هذه المراكز الثلاث للقوى، تتفاعل مع بقية مفردات المعادلة الليبية الأخرى، في ضوء موازين القوى الجديدة، وهو ما أدى إلى صراع الكل ضد الكل بعد فترة وجيزة لاحقة. وقد اصطدمت القوى المدنية والقبلية في برقة مع المليشيات الإسلامية المتطرفة، واصطدمت مليشيات المصاريت في طرابلس مع أهل المدينة، ومع كتائب الزنتان كالصواعق والقعقاع، ما أدى لإخراج هذه الأخيرة من المدينة وإحراق مطار طرابلس العالمي، كما اصطدمت مع قبائل أخرى كثيرة منها ورفلة في بني وليد، وورشفانة في سهل جفارة. وفِي الجنوب اصطدمت أيضاً قبيلتا أولاد سليمان والزويّه مع التبو. واصطدم هؤلاء مع الطوارق.. الخ. وكان من المفارقة أن كل طرف في هذه الصراعات اللاحقة كان يستند في دعاواه ودعايته إلى مبدأ الشرعية الثورية، تماماً كما كان الحال في عهد نظام القذافي.

والأدهى من ذلك والأنكى -وربما الأبكى- أن نظام الشرعية الثورية الجديد هذا ظهر أيضاً حاملاً معه بذور استدامته واستمراره، مرسخاً بذلك وصفة فشل مستدامة لعرقلة مشروع إعادة بناء الدولة من جديد. ولعل من أبرز أسباب تغول نظام شرعية الثوار الجدد التي أدت إلى عرقلة بناء نظام سياسي متماسك، وحكومة فعالة، ما يلي:

1- أن العهد الجديد قد بادر بعد سقوط نظام القذافي إلى خلق نظام مكافآت وحوافز مالية لكتائب الثوار، وقد أثبتت الأحداث اللاحقة أن حصول تلك الكتائب على التمويل والمرتبات المجزية لمسلحيها كان دافعاً قوياً لتمسكها ببقاء تلك الامتيازات والسعي لإيجاد قنوات دائمة تبرر صرفها، وهو ما أوجد، تالياً، اقتصاداً سياسياً للحرب -وأحياناً للحرابة- كانت له، فيما بعد، أوخم النتائج. وقد عملت كل مدينة، أو قبيلة كبيرة، على تشريع -بدل تسريح- أكبر عدد ممكن من كتائب الثوار، ولو بأثر رجعي، لضمان استفادة مادية أكبر، ومخصصات مالية أكثر. وكمثال كاشف، لا غير، فقد بلغ عدد كتائب مدينة مصراتة وحدها قرابة 70 كتيبة، لكل منها مصاريفه وتصرفاته وشرعيته الثورية الخاصة به، حتى تحولت المدينة إلى نوع من «إسبرطة الليبية» المستأثرة لنفسها بكثير من مصادر القوة والسطوة والسلطة، والثروة والسلاح، وهو ما جعلها في صراع عصبيات، بالتعبير الخلدوني، مفتوح على كل الجبهات. ويقول بعض الليبيين إن مصراتة عندما تكون تحت زعامة عائلة السويحلي تغلب عليها عادة النزعة الحربية الإسبرطية، أكثر مما تكون كذلك تحت زعامة عائلة المنتصر المنافسة.

2- ضم ثوار 17 فبراير في صفوفهم عدداً لا نهاية له من القوى السياسية والقبلية، المتنافسة والمتنافرة، أحياناً، ولم يكن يجمع بين مكوناتهم، سوى الوحدة في هدف إسقاط نظام القذافي، لاعتبارات متباينة ومن منطلقات مختلفة. وكان من ضمنها قوى لا تحمل أي مشروع سياسي بديل، ولا اتفاق بينها على ديباجات أو حد أدنى من بنك أهداف محدد لمرحلة ما بعد القذافي. وبعبارة أخرى فقد كانت قوى غير جاهزة، وفي ذهن بعضها مشروع قبيلة أو ثأر قبلي أو جهوي، ومفهومٌ أن الثأر ليس برنامجاً سياسياً، ولا خطة لبناء دولة، أو استراتيجية للمستقبل. فهنالك ثوار شرق ليبيا، الذين انطلقت من عاصمتهم بنغازي شرارة الثورة في منتصف فبراير 2011، وقد غذت الثورة هناك بشكل خاص ذاكرة صراع مديد بين قبائل الشرق الليبي والعقيد القذافي، وهي قبائل برقة الكبيرة مثل مختلف فروع قبائل السعادي والحرابي والمرابطين، (وتشمل قبائل السعادي فروعاً كثيرة منها العواقير والمغاربة والمجابرة والجوازي والبراغيت والفوايد والعرفا.. الخ، وتضم قبائل الحرابي هي أيضاً الحاسة والعبيدات والدرسة وأولاد أحمد.. الخ، وأما قبائل المرابطين في برقة فمن ضمنها قبائل المنفه والمسامير والقطعان والفواخر والحبُّون والشهيبات والشواعر والعوّامة والقبايل والزويّه.. الخ)، هذا فضلاً عن مجموعات المنتمين أصلاً لقبائل الغرب الليبي، ولكن المقيمين في إقليم برقة منذ أجيال وهم من يعرفون في الشرق بتسمية «الغرابة»، وعددهم لا يقل عن ربع أو خمس سكان إقليم برقة نفسه.

3- بعد نجاح الثورة أدى التنافس على «الغنيمة»، ممثلة في موارد النفط وأكثر من 200 مليار دولار تركها نظام القذافي ضمن أصول وموجودات وودائع صندوق البلاد السيادي، وكذلك التنافس على مواقع صنع القرار، وبعد غياب المنظومة السياسية التي قادت عملية الثورة وهي المجلس الانتقالي كقيادة سياسية وواجهة إعلامية، والمجلس التنفيذي كحكومة تسيير أعمال وسلطة تنفيذية مؤقتة، إلى عملية ترحيل وتأجيل للصراعات الكامنة على خطوط تنافس قبلية وجهوية كثيرة. حيث أجريت انتخابات أدت لاختيار جسم تشريعي باسم «المؤتمر الوطني» برئاسة محمد المقريف المعارض المخضرم للقذافي وزعيم ما كان يسمى «الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا» في المنفى. وشكلت بعد ذلك حكومتان لم تعمرا طويلاً، الأولى برئاسة عبدالرحيم الكيب، والثانية برئاسة علي زيدان. ولكن لم تتمكن أي منهما من مواجهة جموح وجنوح وتغول المليشيات المسلحة، بل ظلت مصادر القوة والسلطة شبه رهينتين لدى تلك المليشيات، باسم شرعية الثورة، على حساب شرعية الدولة وحقها في احتكار القوة الخشنة، وفرض السيادة والقانون على الجميع.

تغول «الإخوان» وتغلغل «المقاتلة»

وكان أخطر ما في الحالة السياسية الجديدة في ليبيا ما بعد سقوط نظام القذافي، وبداية احتشاد كل عوامل الانفجار والفشل، ركوب تحالف «الإخوان» و«الجماعة الليبية المقاتلة» لموجة الثورة وسعيهما في مرحلة ما بعد التحرير لفرض أجندتهما، المفارقة لأهداف الثورة بما هي أشواق للحرية والتغيير والحقوق المدنية والديمقراطية والتنمية.. الخ. وتغلغل «الإخوان» في برلمان «المؤتمر الوطني» بحكم قدراتهم المادية والتمويل الخارجي الذين يلقونه من قطر وتركيا، فيما ركز تنظيم «المقاتلة» على التغلغل في الأجسام العسكرية التي تزعُم وصلاً بالثورة وشرعيتها. وراح «الإخوان» يشكلون حزبهم «العدالة والبناء» وأحزاباً أخرى حليفة أو رديفة، ويستحوذون على مواقع صنع القرار والمناصب- المفاتيح في نظام الحكم الجديد وفي الإعلام، وينخرون المليشيات ذات المسميات الجهوية والقبلية من الداخل.

وساعد أيضاً الإعلام التلفزيوني تنظيم «المقاتلة» على السيطرة على مواقع- مفاتيح في طرابلس، منذ يوم تحرير- سقوط العاصمة الليبية بأيدي الثوار. حيث ظهر زعيم «المقاتلة» عبد الحكيم بلحاج في بث مباشر من قناة «الجزيرة» القطرية، من مقر القذافي السابق في معسكر باب العزيزية، يوم تحرير طرابلس، وقدمته بصفته قائد المجلس العسكري لطرابلس، رغم دوره المحدود في الجهد المسلح. ومنذ تلك اللحظة سيطرت «المقاتلة» على قاعدة معيتيقة الجوية، المطار الثاني في المدينة، الذي سيحوله بلحاج لاحقاً إلى مقر لشركة النقل الجوي التي أنشأها. كما سيطرت «المقاتلة» أيضاً على سجن بوسليم وحررت منه ما تبقى من مسلحيها الذين اعتقلوا خلال الثورة، وبسطت نفوذها على كثير من المواقع السياسية والسيادية الأخرى. وأقامت سجونها الخاصة كسجن الهضبة وسجن معيتيقة. وشكلت مجلساً محلياً للمدينة يرأسه بلحاج، ومساعده المهدي الحاراتي، الليبي- الإيرلندي، قبل أن ينخرط هذا الأخير في الحرب السورية في صف الجماعات المتطرفة. وقد أدى تغول تنظيم «المقاتلة» إلى ظهور كثير من المليشيات السلفية- الجهادية الحليفة والعنيفة، حيث تم في كثير من الأحيان تغيير أسماء كتائب ثوار خلال 17 فبراير إلى أسماء جهادية صريحة، كـ«كتيبة راف الله السحاتي» في بنغازي التي تحول الجهد الرئيسي منها إلى تنظيم «مجلس ثوار بنغازي» وكذلك تنظيم «أنصار الشريعة» الإرهابيَّين. وضمن دورة حياة مخرجات تنظيم «المقاتلة» انخرط أيضاً كثير من أتباعه لاحقاً ضمن ما سمى تنظيم «داعش» في مدينتي سرت وصبراتة، وفي مواقع مختلفة أخرى من الصحراء الليبية.

وكان لدور وحضور «المقاتلة» في ثورة فبراير تأثير مدمر في فترة ما بعد انتهاء الثورة، حيث إن ذاكرة عناصر التنظيم المثقلة بأعباء السجون والمطاردات في عهد النظام السابق، والسابقة الأفغانية لمعظمهم، جعلتهم ينخرطون في أعمال قتل متسلسلة، طالت حتى -قبل استكمال الثورة- اللواء عبد الفتاح يونس العبيدي قائد جيش ثوار فبراير، حيث صفّى معه عناصر محسوبون على«المقاتلة» حساب مطاردتهم في كهوف منطقة الجبل الأخضر خلال منتصف التسعينيات، عندما كان يونس قائداً لسلاح الطيران في عهد القذافي. كما انحرط عناصر التنظيم أيضاً بعد التحرير في عمليات اغتيال لمئات من ضباط الجيش الليبي وضباط الأمن في عهد النظام السابق. ومع كثافة اغتيال ضباط الجيش وانهيار الحالة الأمنية، وفشل النظام الجديد في وضع حد لذلك، أمسك العسكريون الليبيون زمام المبادرة من جديد، وشرعوا في بناء جيش وطني ليبي جديد يكون بديلاً للمليشيات والمجموعات المسلحة، وبهذه الكيفية انطلقت عملية «الكرامة» بقيادة اللواء -ثم الفريق والمشير- خليفة بلقاسم حفتر، الذي عينه مجلس النواب في طبرق قائداً عاماً للجيش الوطني الليبي، وقد انخرط منذ ذلك الحين في صراع مرير ضد المجموعات المتطرفة المسلحة في شرق ليبيا خاصة.

وبدافع من الاستفراد بالسلطة انخرط «الإخوان» أيضاً في عملية تصفية للطبقة السياسية السابقة، وحتى الطبقة السياسية الجديدة من غير المحسوبين على تيارهم، ففصّلوا ما يشبه «لجنة اجتثاث» لكل من لم يكن «إخوانياً» تحت دعاوى عزل «فلول» النظام السابق. واستهدفوا بذلك بشكل خاص قيادات التيارين الليبرالي والقومي من الليبيين وحتى بعض التكنوقراط البيروقراطيين، وخاصة بعد خسارتهم في ثاني تجربة مع صندوق الاقتراع في انتخابات مجلس النواب اللاحقة سنة 2014 التي رفضوا الاعتراف بنتائجها. وبدأ لأول مرة ظهور برلمانين، أحدهما منتخب ومقره في طبرق بشرق ليبيا برئاسة المستشار عقيلة صالح، والثاني برلمان «المؤتمر الوطني» منتهي الولاية الذي رفض التسليم بالنتائج أو حل نفسه في طرابلس. وترتيباً على نزاع الشرعية بين البرلمانين تشكلت أيضاً حكومتان، إحداهما برئاسة عبد الله الثني وهي في صف البرلمان المنتخب الذي يدعمه الجيش الليبي بقيادة حفتر، والثانية برئاسة خليفة الغويل وهي في صف «الإخوان» و«المقاتلة» و«المؤتمر الوطني» وجناحهم المسلح المعروف بمليشيات «فجر ليبيا» وبدعم خارجي من قطر وتركيا. هذا قبل أن تظهر الحكومة الثالثة بضغط دولي خارجي بعد استحقاق اتفاق الصخيرات في المغرب سنة 2015، وهي الحكومة المعترف بها دولياً برئاسة المهندس فايز السراج، والمستندة في طرابلس على مليشيات جهوية وقبلية بعضها منشق عن «فجر ليبيا»، كما تلقى أيضاً دعماً إيطالياً ملموساً وأوروبياً محسوساً. ووسط نزاع هذه الحكومات والشرعيات الثلاث ازداد تهميش وتهشيم مركزية الدولة، وسلطتها، بشكل غير مسبوق، حمل كل أعراض -وأمراض- ظاهرة «الدولة الفاشلة»، تقريباً.

معادلة المركز والهامش

وزاد من استعصاء استعادة مركزية الدولة في الحالة الليبية كون العاصمة طرابلس تعتبر تقويماً اجتماعياً وسياسياً مختلفاً عن حال كثير من العواصم الأخرى الميتروبوليتية القوية القابضة، حيث يكون الميتروبول عادة مركز استقطاب تدور في فلكه -طوعاً أو كرهاً- الأطراف والهوامش من دواخل وقبائل وأقاليم وأرياف وقرى وبوادٍ، في عموم البلاد. هذا على رغم مركزية مدينة طرابلس التاريخية كعاصمة للغرب الليبي، وهو ما يفسر أصل التسمية وأصلها Tri-poli أي «المدن الثلاث»، حيث كانت اسماً للإقليم كله، الذي كانت تسوده في العهدين الفينيقي والروماني، ثلاث حواضر هي مدينة لبدة الكبرى (بضواحي مدينة الخمس الحالية 105 كلم شرق طرابلس) ومدينة أويا (طرابلس الحالية)، ومدينة صبراتة (60 كلم غرب طرابلس). ولكن منذ ظهور الدولة الوطنية في مطلع الخمسينيات من القرن الماضي أخذت طرابلس تفقد مركزيتها بعض الشيء، حيناً بإشراك بنغازي «عاصمة الشرق الليبي) اسمياً معها كمتروبولين لعموم البلاد، وحيناً آخر بنقل العاصمة إلى مدينة البيضاء في الجبل الأخضر بشرق البلاد في أواخر عهد الملك إدريس. وأخيراً بتهميش طرابلس نفسها في آخر عهد القذافي، وجعل مدينة سرت عاصمة إدارية بدلاً منها.

والقصد من هذه الاستطرادات أن رمزية العاصمة في أي بلد كموقع ارتكاز واستقطاب وتركز للسلطة المركزية، تراخى بشكل محسوس في الحالة الليبية، ولهذا دلالته السياسية لجهة ترسيح تراخي مفهوم السلطة والدولة المركزية ككل. وزادت البنية السكانية للعاصمة الليبية الأمر هشاشة أيضاً في مواجهة الأطراف والدواخل والقبائل، حيث تحضر في الأقاليم العصبيات القبلية القوية، والحضرية الجهوية المتماسكة، في حين تغيب هذه المقومات في الحضر وخاصة طرابلس، حيث عرفت منذ ظهور النفط هجرة كثيفة من دواخل وقبائل الغرب الليبي، بحيث لم تعد فيها أية عصبية غالبة، ولا جهوية جامعة، فالأغلبية الساحقة من سكانها يعودون بولاءاتهم لانتماءاتهم القبلية والجهوية السابقة. ومَن يعتبرون العاصمة انتماءً نهائياً هم القلة من الحضر وسكان الأحياء القديمة. ويعرف عن حضر طرابلس قديماً نزوعهم إلى المسالمة والموادعة، وبُعدهم عن المناجزة والمدافعة. وقد كانت هذه الصفة معروفة عن أهل المدينة القديمة في العصر الوسيط، وليس بالضرورة عن سكانها الآن.

فطيلة أزمنة مديدة من العصر الوسيط كانت طرابلس تعتبر خاصرة رخوة وثغراً من ثغور شمال إفريقيا المكشوفة لكل طارئ أو طارق لوداعة أهلها من الحضر، وتخلخل إقليمها الديموغرافي ذي الكثافة السكانية القليلة، وهو ما كان يغري بها أحياناً الطامعين كشرف الدّين قراقوش المظفري الشخصية- شبه الأسطورية المشهورة باسم «قراقوش» لذي استولى على طرابلس لفترة (ويخلط العامة، وبعض الباحثين غير المدققين، بينه وبين أبي سعد قراقوش بن عبدالله الأسدي، الملقَّب «بهاء الدين» وهو خادم صلاح الدين الأيوبي ومساعده، وينسبون إلى هذا الأخير خطأ -على الأرجح- بعض أحكام قراقوش المظفري الجائرة ونوادره السائرة وأخباره العجيبة وأطواره الغريبة). وكذلك أغرى انكشاف المدينة قراصنة وغزاة الشمال، من جَنْويين وبنادقة وإسبان، وقد سرد وصفٌ نقله الدكتور الحسيني الحسيني معدِّي في كتابه «الملك محمد إدريس السنوسي.. حياته وعصره»، أمثولة من ذلك حيث يقول: «رست عدة سفن للعدو في ميناء طرابلس، فيها أنواع كثيرة من البضاعة، وفيها من كل نوع كثير، فتقدم إليهم تاجر من تجار المدينة، فاشترى كل ما فيها من سلع، ونقَدَ لهم ثمنها. واستضافهم رجل آخر وصنع لهم طعاماً فاخراً، وأخرج ياقوتة ثمينة فدقّها دقاً ناعماً بمرأى منهم وذرّها على طعامهم، فبُهتوا من ذلك! فلما فرغوا قدم إليهم دلاعاً (بطيخاً)، فطلبوا سكيناً لقطعه، فلم يوجد في داره سكين، وكذا دار جاره، إلى أن خرجوا إلى السوق، فأتوا منه بسكين. فلما رجعوا إلى جنوة سألهم ملكهم عن حالها، فقالوا: ما رأينا أكثر من أهلها مالاً، وأقل سلاحاً، وأعجز عن دفاع عدو» ص27.

وغياب العصبية الغالبة في الميتروبول- المركز للدولة، وطبيعة الحضر أنفسهم بما هم ميّالون بطبعهم إلى الموادعة، في مقابل البدو أهل العصبية القوية والشوكة والجسارة والمدافعة، كما يخبرنا بذلك ابن خلدون في المقابلة بين طباع أهل العمران الحضري وأهل العمران البدوي، كل ذلك كانت له تداعياته السياسية أحياناً مخصومة من قوة الدولة المركزية القابضة بما يؤدي إلى تحولها إلى بوتقة صهر خلاقة تنسحق وتنمحق في دورة حياتها العصبيات والهويات والولاءات الفرعية، القبيلة والجهوية. وغياب هذا العامل المؤثر في قيام واستقرار الدول المركزية كانت له انعكاساته على الحالة الليبية، منذ انهيار قبضة الإكراه السلطوية الجامعة في عهد النظام السابق. وكان من نتيجة ذلك انتعاش العصبيات والولاءات الفرعية، وظهور دعوات لاستعادة النظام الفيدرالي، وإلغاء المركزية كفكرة وكممارسة من الأساس. ولنتحولْ فيما يلي إلى بعض أبرز هذه المطالبات بإلغاء مركزية الدولة، واستعادة النظام الفيدرالي.

الحراك الفيدرالي البرقاوي

منذ سقوط نظام القذافي ظهرت في بنغازي وعموم إقليم برقة دعوات واسعة لإلغاء نظام الحكم المركزي واستعادة النظام الفيدرالي الذي يجعل ليبيا ثلاثة أقاليم لكل منها سلطاته المحلية واختصاصاته الواسعة، تماماً كما كان حال البلاد قبل توحيد الملك إدريس لها في الستينيات. وقد دعم هذه المطالبات التي سميت بالحراك الفيدرالي خاصة بعض أنصار الأسرة السنوسية، وتزعمها أحمد الزبير السنوسي ابن عم الملك السابق. ومع استقطاب هذا الحراك لتأييد محسوس في شرق البلاد إلا أن دوره وحضوره تراجعا مع مرور الوقت لأسباب عديدة منها افتقاره لقوة مسلحة مؤثرة، كما هي حال الأطراف الأخرى المنافسة. وربما أيضاً بسبب كون زعيم هذا الحراك الزبير السنوسي، بحكم سنه وطول تغييب نظام القذافي له في السجون، وجفوته في شبابه مع ابن عمه الملك إدريس وعيشه زمناً طويلاً في المنفى في العراق، كل ذلك أثر على حجم وزخم هذا الحراك، وخاصة أن الأسرة السنوسية ربما تفتقد الآن أمرين مهمين لاستعادة الولاء: توظيف الدعوة الدينية لكون الزبير ليس هو ولي العهد السنوسي -فولي العهد محمد الرضا وهو مقيم في الخارج باستمرار- وليس أيضاً رجل دين أو شيخ طريقة صوفية كما كان أجداده، هذا فضلاً عن غياب عصبية قبلية بالانتماء وليس بالولاء فقط، لكون الأسرة السنوسية لا تعود في أصولها البعيدة للنسيج السكاني البرقاوي، وإنما هي أسرة شريفة تنتمي إلى الغرب الجزائري أصلاً. هذا مع تطاول العهد أيضاً بالأسرة الملكية السنوسية، نظراً لطول فترة حكم القذافي بعدها لأكثر من أربعة عقود، ما جعل الأجيال الحالية لا تعرف في معظمها كثيراً عن ذلك العهد.

ولهذا لم يتمكن الزبير، رئيس مجلس إقليم برقة الاتحادي الفيدرالي، من فرض أجندته بشكل مؤثر. كما لم يتحمس أيضاً كثير من الليبيين في برقة وفي الغرب وفزان للدعوة الفيدرالية خوفاً من أن تؤدي إلى تفك البلاد إلى ثلاثة أقاليم، ثم ثلاث دول صغيرة. ولم يكن الخوف على وحدة الدولة هو مصدر القلق الوحيد، بل أيضاً خشي كثيرون أن تنخرط الأقاليم الثلاثة، في حال التفكك، في حروب لا نهاية لها على جثة الدولة، وفي سبيل الاستحواذ على أكبر قدر ممكن من الغنيمة، وخاصة الموارد النفطية.

والتوزيع القطاعي للنفط الليبي غير متوازن على الخريطة، ولا متناسب مع مواقع كثافة السكان، حيث إن إقليم طرابلس والغرب الليبي الذي يشكل قرابة ثلثي السكان، قد يصبح هو الأقل نصيباً من الحقول النفطية، إن قبل الخريطة المقترحة في أدبيات الحراك الفيدرالي البرقاوي الذي يجعل منطقة الهلال النفطي، وكثيراً من حقول الوسط، ضمن إقليم برقة. ومن المعروف أن إشكالية الحدود بين شرق ليبيا وغربها مطروحة منذ ما قبل التاريخ، وقد رسمها القدامى عند خط الأخوين فليني، وفق حيثيات تستحق أن نتحول إليها، على رغم ملمحها الأسطوري، مع أن تكون الأسطورة نوعاً من ملح السياسة والثقافة.

قوس الأخوين فيليني

لقد كان هذا الحد الفاصل قوساً ونصباً تذكارياً من الرخام، وبوابة عبور بُنيت في فترة الاحتلال الإيطالي وافتتحه موسوليني سنة 1937، عند ما يفترض أنه نقطة الحدود بين إقليم برقة وإقليم طرابلس. وكان مكتوباً على النصب، فوق تمثالي الأخوربن فليني، عبارة: ««لن ترى شيئاً في العالم أكبر من روما». وقد «تم هدم هذا القوس في العام 1973، في حين لا يزال التمثالان موجودين في موقع قرب الطريق بمنطقة سلطان، 60 كلم شرقي مدينة سرت».

وبحسب الرواية، أو الأسطورة -لا فرق- فقد أنشئ قوس الأخوين فليني قبل 2500 عام، حيث اتفق الإغريق (اليونانيون) المسيطرون على شرق ليبيا، والبونيقيون المسيطرون على غربها، على ترسيم الحدود بينهما في نقطة تلاقي عدَّاءين رياضيين، على أن ينطلق العدّاءان من كل طرف من عاصمة دولته، قورينا (مدينة شحات الحالية) عاصمة اليونانيين، وقرطاج عاصمة البونيقيين، بحيث يجري كل عداّءين من اتجاههما بأقصى طاقتهما عبر ساحل البحر المتوسط، لتكون منطقة تلاقي العدّائين الأربعة هي نقطة الحدود الفاصلة بين الدولتين.

و«بسبب التعرجات على ساحل برقة فلم يقطع العداءان الإغريقيان مسافة طويلة، بينما حقق العداءان البونيقيان، الأخوان فيليني، مسافة طويلة جداً، عند تلاقيهما مع عدائي الإغريق. فاعترض الإغريق على ذلك وقالوا إن عداءي البونيقيين انطلقا قبل الموعد، وطلبوا إعادة الجري أو أن يقبل الأخوان بأن يدفنا حيّين في المكان الذي وصلا إليه تعبيراً عن صدقهما في الانطلاق في الموعد المحدد، فاختار الأخوان فيليني التضحية والقبول بدفنهما حيّين في ذلك المكان. ولهذا عرف المكان لاحقاً بضريح الأخوين فيليني».

والشاهد أن هذا المكان، على رغم تكثيف دلالته التاريخية- الأسطورية، يمكن أن يكتسي أيضاً دلالة سياسية، في رسم نقطة حدود إقليمي برقة وطرابلس، وإن كان نصب القوس، وهو الحدود في عهد الاحتلال الإيطالي، يقع في مكان يبعد بقرابة 30 كلم عن مكان ضريح الأخوين فليني. هذا في حين أن حدود الأمر الواقع الآن، بين الإقليمين ملتبسة، وهي توجد عملياً في منطقة الواد الحمر غرب مدينة اجدابيا.

على أن الأهم في نظر معظم الليبيين اليوم هو مسألة الوجود وليس التفكير في الحدود بين الأقاليم، ولا السعي لإضعاف قبضة الدولة المركزية، وإنما، على العكس، إعادة تأكيد الوحدة، وشرعية الدولة الوطنية وسيطرتها على كل شبر من أراضيها، ووأد دعوات الانعزال والانفصال، وتجاوز فوضى الشرعية الثورية الموهومة المزعومة. وإعادة تأكيد الهوية الوطنية الجامعة وإعادة بناء الدولة، وتجديد الطبقة السياسية، وخاصة أن شرائح واسعة من النخبة الجديدة لم تكن فقط غير جاهزة للتصدي لمهمة بناء الدولة Nation-building بل كان وجودها أصلاً عائقاً عملياً وسياسياً لإمكان تحقيق هذه الغاية- النهاية المنشودة أصلاً. وذلك لأن هذه «النخبة» مثقلة بأعباء الذاكرة، ومفتقرة للخيال السياسي والخبرة الإدارية، وتعاني أعراض خليط من الغيبوبة عن إدراك مفردات الواقع والانفصال المزمن عنه، هذا مع النرجسية الثورية وأشواق الاستئثار والاستحواذ، واستحكام العجز الإدراكي أيضاً لأنها نخبة "تعوزها القدرة على التعالي la transcendance والتجرّد لأخذ المسافة الكافية للفهم والإدراك". وهذه هي مشكلة نخب المنفيين والمساجين السابقين التي تصدرت المشهد في ليبيا وفي معظم دول «الربيع العربي» بعد سقوط النظم السابقة.

لبقية الموضوع اضغط هنا