صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

وريثة دلمون وملاذ جلجـامش

ماء دلما العذب يترقرق بين صخورها (أرشيفية)

ماء دلما العذب يترقرق بين صخورها (أرشيفية)

لولوة المنصوري

ينفتح أمامنا أفق البحيرة المحاطة بغابة القرم، بحيرة خضراء عملاقة تتخللها العيون والمصبات والطيور والسديم المائي الذي يحفر عبر الزمن محطات وعلامات وأغوار سحيقة ومتاهات مائية مترامية الأطراف. انطلق سهم صاخب من غابة القرم مندفعاً نحو السماء، إلا أنه لم يصب الهدف، وسقط بدلاً عن ذلك في الطين المعجون في قاع البحيرة. ظفر الطائر بحياته وأكمل تحليقه في الأعالي، وعاد الصياد نحو كوخه في الجزيرة، عاد منزعجاً حزيناً من خسارته.

تمر آلاف السنين، تتبدّل حقب، تنفتح جروح مجهولة في المنابع والمصبّات، وتتباعد الجزر عن بعضها، تنأى تلمون الصغيرة عن أمها دلمون، وتزحف موجات التصحر الناجم عن التغير المناخي العالمي، لتنحبس مياه دجلة والفرات من مصدريهما، تختفي الحياة عن تلك البحيرة، تصير دلما جافة تدريجياً، والطين الذي احتضن السهم يستحيل حجراً.
وقبل الوصول الحتمي إلى محطة زمنية لبيئة وحضارة جديدة، يعثر أحد عاشقي العلوم الأثرية في القرن العشرين بالصدفة على ذلك السهم الخاسر، لا يزال مغروساً في الطبقة الصخرية، بين الدخان والطين، وبين ركام السبخة والمستنقع، حيث سقط تحديداً في ممر شجري بين المنابع والمصبات في الزمن البعيد.
وبدأ السؤال الأول: متى وصل البشر إلى دلما؟
دلما العذبة، الرسولة الصامتة، متى فتحت بوابة الوجود وخرجت من البحر بأسرارها، وانطلقت بنجمها الوثّاب بالزرقة تتجول وراء النظر وتستجوب الملاحين والغاصة؟
من أي تسبيحة زمنية وُلِدت؟ وخلف أي النداءات كابدت نار الصبر وملوحة التاريخ؟ وأي تيار استشرافي ينتظر دلما؟ كم هو تعداد الكنوز المخبوءة في قاعها؟
لا زلنا نجهل أسرار هذه الجزيرة.

هضبة بركانية
في البدء كان البركان، كانت النار، فقد قررت الأرض قبل ملايين السنين إشعال النار في جسدها، احتجاجاً على السكون بين أفواه ثلج العزلة.
وبوعي كامل، وفي زمن اشتعال حرائق (اللافا)، أدركت الأرض عند اندلاعها أنها ستكون لحظة البداية، بداية نمو هضاب بركانية محدّبة، وتمدد أرخبيل قصبيّ بين البحيرات والمصبات، وقد حددت إحدى الهضاب نفسها في جزيرة (دلما).

ما إن تدخل دلما حتى تتوهج خصوبة أحجارها البركانية من بعيد، والمواقع الجيولوجية التي تدل على اندلاع بركان هناك في العصور السحيقة، بركان خمد عبر السنين، تاركاً آثاره على هشاشة جبالها الخصبة، تومض الصخور تحت انعكاس الشمس ببريق خاص وقت الظهيرة، وتلمع بنثرات الحديد وبرادة المعادن وحقل الأحجار الكريمة.

اللجوء النهري
ثم يأتي النهر العملاق، يتحرك ببطء في حوض الخليج، ليعبر غابات السافانا، حين كان الحوض أرضاً مسطحة وسبخات شاسعة، إنه شط العرب، يتدفق على امتداد طوله بداية من ما يُعرف الآن بجنوب العراق ليتجه نحو مضيق هرمز. كان نهري دجلة والفرات في العراق من روافد ذلك النهر.
ويعبر نهر الزمن، تجف السافانا، والنهر العظيم يتقلّص في بحيرتين كبيرتين، ومجموعة من العيون والجزر الصغيرة، ومجموعات من أشجار المانجروف، ومصبات الأنهار بها طبقات سميكة من عيدان قصب السكر الطويلة مع عدد كبير من الأسماك والأحياء النهرية.
ولأن الأرض مسطحة، كان النهر يتدفق ببطء، حيث يؤدي إلى ترسب شق كبير ساعد في تكوين أرض خصبة للمحاصيل النامية والنباتات الخضراء التي كانت طعاماً وفيراً للحيوانات والطيور التي يتم صيدها.
لكن من هم أولئك الصيادون؟ من أي أرض عبروا البحر والسبخات واستوطنوا الجزر الغربية للإمارات؟
يوفر السجل الأثري للعصر الحجري المتوسط في شبه الجزيرة العربية فرضيات مهمة لفهم التحركات البشرية حول المنطقة، وقد أسهم في إلقاء الضوء على بعض الطرق التي اتبعها الإنسان الأول للخروج من أفريقيا وبلاد الرافدين.

اللجوء البشريّ
من أفريقيا ركبوا قواربهم - هكذا يذهب المؤرخ والباحث العراقي جواد علي في فرضيته - عبروا أمواج مضيق باب المندب عند مدخل البحر الأحمر، لقد كان المضيق يوماً جسراً برياً يربط بين أفريقيا وبلاد العرب، ولم يكن ذاك العبور ممكناً خلال فترات انخفاض مستويات البحر، ومن شأن المهاجرين الأوائل أن يكونوا قد تكيفوا بسهولة مع البيئة العربية التي يحتمل أن تكون مشابهة لبيئة شرق أفريقيا في ذلك الوقت، بيد أن الوضع الملائم لم يستمر إلى الأبد، حيث تسببت التقلبات المناخية في تقدم الصحراء، واختفاء الكثير من الأنهار والآبار والواحات/ ما أجبر السكان الأوائل على الرحيل أو النزوح إلى مناطق الهلال الخصيب الزاخر بالأنهار الكبرى.
لاقت هذه الفرضية قبولاً منقطع النظير من قبل العلماء، أمثال: سبرنجر/ موسكاتي/ ماير/ فيلبي.
من بلاد الرافدين في عام 2500ق.م تندفع في البحر أساطيل سرجون الأكدي عابرة ممرات الماء في الخليج، ليكتشف الملك سرجون دلمون، ويجدها محاطة بخمس جزر، واحدة منها تسمى تلمون/ دلما، فيحتلها ويقيم عليها مملكته الأكدية.
في عام 2200ق.م في عهد حضارة لكش تحديداً، ينزل رجل اسمه لواتيد ليدا في جزيرة تلمون، ليستورد مواد بناء المعابد وبعض الحجارة، ويبحر بها إلى لكش، مشيداً معبده العظيم.
عاش الناس على ما يبدو في تلمون طويلاً بجانب النهر وتفرعاته، حصدوا أشجار النخيل، وبنوا بيوتهم من القصب، تماماً مثل بيوت عرب الأهوار في العراق اليوم، والتي لا تزال تشيّد كما صورتها المنحوتات السومرية قبل أكثر من 5000عام، إذ يُبنى البيت الذي يُطلق عليه (الكوخ) فوق جزيرة صغيرة تسمى (أشنان) وهي كلمة سومرية تعني التل. وكان سكان دلما أشبه بسكان (المعدان) في أهوار العراق، وهم بدو يعيشون في بطحاء من ماء، مجموعة بشرية فريدة من نوعها ذات أصول سومرية وأكدية وآرامية وعربية.
وتوافقاً مع مزاج مناخ الأهوار كان الخليج أكثر رطوبة. والراجح في تلك المقاربة أن السكان القدامى من البشر لجنوب العراق (سومر) امتدت حياتهم على امتداد الضفاف الخصبة لدجلة والفرات، حين كان للنهرين حرية التدفق في رقعة رطبة واسعة من مساحة حوض الخليج العربي قبل أن يمتلئ بماء البحر.

هجمة الصحراء
يتغير المناخ مع مرور السنوات وتتوالى المستوطنات البشرية على دلما، تبدأ الرياح الشمالية الغربية بالهبوب، لكن بشكل أضعف بكثير مما هي عليه اليوم، ولا زالت الفرصة سانحة أمام الرياح الموسمية، لتصل إلى الخليج من جهة الجنوب وتسرح دلما بين منحدرات الغيوم المتدافعة ودعة العيش في الغابة القصبية وموكب المياه الموسمية.
كنا وقتها – إن استمر المطر الموسمي - سنشاهد في دلما وسواحل الخليج بحيرات عذبة وغابات، شبيهة بالأشجار العملاقة الموجودة في الهند وأفريقيا، إلا أن المشيئة الإلهية شاءت أن تغير لنا النظام البيئي والإحيائي، وبدأت الرياح الشمالية تهب بصورة أقوى مع مرور الزمن، ولم تعد الأمطار الموسمية كافية لسقي الأرض، تموت الغابة معظم فصول السنة، ولا مجال للتكاثر الشجري والأحيائي.
انتهى العصر الجليدي، وأدى الجليد المنصهر الذائب في القطبين إلى ارتفاع مستويات البحر، وبالتدريج، بدأ حوض الخليج العربي يفيض بمياه البحر بدءاً من المحيط الهندي وانتهاء بمضيق هرمز.
وهذا لم يعد فيضاناً مفاجئاً، أي أن الناس لم يصبحوا لاجئين بين ليلة وضحاها، وإنما اختفت الأرض الخصبة تدريجياً تحت المالحة، وعندها اضطر الناس إلى نقل خيامهم بعيداً عن قاع الخليج واستقروا حيث أراضٍ أعلى، أو في الجزر، لتبدأ حياة الصبر والشقاء والعبودية في السفن والسفر والصيد والغوص، تلك هي حياة البداوة المائية التي وثقتها المصادر التاريخية.
إذ ترك مستوطنو أهوار دلما والجزر المنتشرة من حولها مهنة صيد أسماك المياه العذبة وجمع القصب والبردي ومقايضته في الأسواق بما يحتاجون إليه من مواد للعيش حين بدأ البحر المر يلتفت إلى حوض الخليج، ليأخذ مجرى النهر القديم، زاحفاً على السبخات وأشجار القصب والمانغروف، وبدأ مستوطنو أهوار دلما مبكراً الالتفات إلى مهنة الصيد البحري واستخراج اللؤلؤ ومقايضة الخرز الصدفي والسمك المجفف مقابل الحصول على الفخار والبضائع الأخرى، وانشغلوا بصناعة السفن التجارية من حزم القصب مع الصاري، والمطلية بمادة القار التي يتم جلبها من الدول التي تُعرف الآن بالكويت والعراق.

***
وعلى مرّ عشرات الآلاف من السنين يبدو الخليج اليوم سرمدياً ومستقراً وباقياً، إلا أنه في الحقيقة كان نتاجاً لتغيرات جذرية وزلازل حدثت على مر الزمن الجيولوجي، كما أن أرخبيل أبوظبي وشواطئه وجزره لم تتغير تغيراً ملحوظاً فحسب خلال الآلاف القليلة الماضية من السنوات، بل أيضاً استمرت في التغير والانجذاب السخي والزاخر بالخيرات والموارد الطبيعية والمستوطنات البشرية.

مولد دلما اللؤلؤة
وُلِدت دلما الدانة، جزيرة الماء العذب واللؤلؤ، وسط «البحر المر»، أيقونة الخليج القديمة، وعاصمة بحارة الخليج حتى أربعينيات القرن العشرين، عاصمة دلمون العظيمة، وحسب لغة دلمون القديمة فدلما تعني اللؤلؤة الكبيرة الدانة، وتاريخياً تماهت دلما مع (تيلمون) في اسم واحد، وهي كلمة نسبها أكدي رافديني، تعني عاصمة المعرفة والضيافة.
ثم كان النداء: (نحتاج إلى دلو ماء)، نداء السفن العطشى أمام الجزيرة، فتستضيفهم الجزيرة بالرّواء والعذوبة، ليواصلوا رحلتهم بامتنان وأمان، ومع مرور السنين أصبح البحارة يشيرون إليها كلما عبروا الخليج ويعلو وجوههم البشر ويمور ظهر السفن بالدبيب والحراك كلما شارفوا الوصول إلى أرض العيون الحلوة والينابيع.
وبتكرار البحارة لذلك النداء الأزرق، تناسل اسم (دلما) من دلو ماء، وتكرارها حجب اسم (تيلمون). وقيل بأن دلما تطورت من دلمون مملكة الخليج العظيمة. كما يرجح البعض أن اسم دلما مشتق من معدن (الدولميت). فجبال دلما البركانية غنية بالكوارتز والرخام والجص وخام الهيماتيت، ومعدن الدولميت.

ترحل ثقافي وتجاري
اعتادوا منذ العصر الحجري الحديث على استيراد الفخار من منطقة تل العُبيد في جنوب بلاد الرافدين، ثم باتوا يستوردونه من شمال الإمارات، حيث وادي حقيل وموقع شمل الأثري في إمارة رأس الخيمة حالياً، ودلت المكتشفات الأثرية على أن من استوطنوا جزيرة دلما خلال فترة العصر الحجري الحديث، كانت لهم روابط تجارية واسعة واتصالات ثقافية مع السكان في الجزء الشمالي من الخليج وكانوا بحارة مهرة.
حُفَرٌ خاصة بالأعمدة تم العثور عليها في أحد مواقع الجزيرة، مما يدل على أن بدو الماء القدماء الذين سكنوا دلما قد نصبوا في المكان أوتاد خيامهم أو أكواخهم من سعف النخيل والقصب والبردي، ولا تزال أشجار النخيل البرية تنمو على امتداد ساحل دلما.
مدافنهم دائرية الشكل، تشبه مدافن الهيلي في العين، ومدافن أم النار في أبوظبي. لذا يُرجح أنهم قد دفنوا موتاهم على جنبهم الأيمن ورؤوسهم تتوجه للشمس (المعبود القديم في الخليج) مع الكثير من الأواني الفخارية والأسلحة وأدوات الزينة، لتكون لهم عوناً في مرحلة ما بعد الموت كما كان سائداً في عقيدة الموت.

المياه الأثرية
دلما الماء، جزيرة الملاذ المحتمل لكلكامش الباحث عن نبتة التجدد والأبدية، إنها ابنة دلمون، اشتقت منها ذاكرة وزمناً ومياهاً حلوة، فقد كانت دلما مأهولة بالسكان منذ 5000 ق.م، وقد ساعد على استقرارهم وجود شبكة متكاملة من المياه العذبة، منها ما يعود إلى آلاف السنين، حيث تنتشر آبار المياه في أجزائها الشمالية والشرقية والجنوبية بين تلالها ووديانها، ومن اللافت وجود تلك الحفرة المليئة بالمياه العذبة، قريبة من إحدى قواعد جبال دلما. تذهب الباحثة الإماراتية فاطمة المهيري في دراستها التي أجرتها عن دلما إلى إمكانية كونه فلجاً حفره سكان دلما قديماً، نسبة إلى منطقة في دلما سميت باسم (الفلي، الفلج).
ويذكر بأن جزيرة دلما تنتشر فيها 200 بئر، بعضها عذبة والأخرى مالحة.
وعن مصادر المياه قديماً في دلما يروي الراحل خميس بن زعل الرميثي قائلاً: (أدت جزر أبوظبي دوراً رئيساً في استمرار الحياة وتنوع مصادر الرزق، فجزيرة دلما كانت في أوج ازدهارها قبل انهيار تجارة اللؤلؤ، حتى أطلق عليها البحارة اسم مومبي الصغيرة، كناية عن الأضواء والحياة الاقتصادية المفعمة بالنشاط آنذاك. والبزوم كذلك، فهي تنقسم إلى قسمين: البزم الشرقي، والبزم الغربي. وفي البزم الغربي (كوكب) (ماء الينابيع العذب وسط ماء البحر المالح)، ويذهب الناس على ظهور الحمير لجلب الماء العذب عند الجزر، وتقصدها أيضاً سفن الغوص التي تتزود بالماء العذب لرحلات الغوص الطويلة. وكنا نسكن في البزم الشرقي الذي يتكون من أربع مناطق: الفيي، اللبة، والغبة، ومروّح. وسميت الفيي كذلك لوجود فجوة يتخللها ماء البحر فيفصلها جزأين. ويستطيع المشاة السير بينهما في أوقات الجزر، ويتعسر عليهم في أوقات المد حينما يطغى الماء ويدخل بغزارة).
وعودة إلى الباحثة فاطمة المهيري في دراستها الميدانية المتأنية عن دلما، فثمة إشارة تدل على أن سكان دلما يؤكدون على وجود نبع كبير أو غدير غرب الجزيرة، تتجمع فيه مياه الأمطار الجارية من جبل الفحيحيل، واستخدمت مياه هذا النبع قديماً لتزويد سفن الغوص بمياه الشرب، غير أن فريق المسح الأثري الذي قام بمسح الجزيرة عام 1992م لم يجد من آثار هذا النبع إلا رقعة من الطين يبلغ قطرها 5 أمتار.
يبدو أن المنبع الحالي لتلك المياه العذبة يقع في سلسلة جبال زاغروس في جنوب إيران، وتصل هذه المياه إلى دولة الإمارات العربية المتحدة عبر تحركها تحت الخليج العربي، ويذهب الظن أيضاً بأن مصدر هذه المياه العذبة هما نهري قارون والكرخة المتدفقان عبر جبال زاجروس في جنوب إيران ويصبان في بحر الخليج.
ونظراً لأن المياه العذبة أقل كثافة من مياه البحر، فإنها ترتفع طبيعياً إلى السطح، حيث يمكن رؤية لونها الفاتح، وتقليدياً كان يتم جمع مياه الينابيع البحرية باستخدام الدلو أو يقوم الغواصون بجمع المياه على مقربة من الينبوع، باستخدام جرار معكوسة أو أكياس مصنوعة من جلود الحيوانات.

ذبول دلما
حتى خمسينيات القرن الماضي كانت دلما تشرب من شط العرب، ويأتيها الماء محملاً بوساطة خزانات خشبية ضخمة. مأهولة بالسكان بصفة دائمة، فالماء واللؤلؤ إحدى أسرار نجوميتها في الإقليم.
غير أن انتهاء عصر اللؤلؤ الطبيعي وظهور الصناعي كان بمثابة الأفول التدريجي لجزيرة دلما، فالإمكانات لم تعد متاحة لاستيراد الماء، وقبعت الدانات الكبيرة في أعماق المغاصات.
يذكر الرواة أنه ألحق بدلما منطقة رملية في شكل جزيرة صغيرة تقابل الجزر الكبيرة ُوتعرف بـ (حالة مسمح) تقع إلى الجنوب منها مباشرة، وذلك عن طريق الردم الاصطناعي، وكان يمر بين الجزيرة و(حالة) السفن الشراعية، ويطلق على هذه المساحة المائية (الدّرْدور) وهي كلمة باللهجة القديمة وتعني المنطقة التي تمر بها التيارات المائية القوية، كما كانت المنطقة المطلة على هذه (الحالة) من طرف الجزيرة تسمى (راس الماشية).
تكتب الباحثة هند عمرو في مقالة لها نشرت في صحيفة الوسط البحرينية عن دلما العطشى التي باتت ترويها محطات التحلية، وتذكر فشل تجربة حصر مياه الأمطار خلف سد تبرع ببنائه أحد المواطنين بسبب غزارة الأمطار وسرعة تدفقها، ما أدى إلى انهيار السد، وبالتالي انهارت معه أسباب العيش وسط جزيرة منفردة في الخليج.
وبقي القليل من صيادي الأسماك وعائلات التجار دائبين في قلق البحث عن أماكن أخرى وتجارة من نوع آخر.
وهكذا كادت الجزيرة تفرغ من سكانها في الستينيات، إلا أن إعلان اتحاد الإمارات أنقذ الجزيرة وأعاد إليها الحياة من منظور استراتيجي هذه المرة، وفق تعليمات واضحة وصارمة من الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله، بتأمين كل وسائل العيش الأساسية من سهولة تنقل بحري وجوي وتوفير المساكن والرعاية الصحية والتعليمية، حتى انتقلت دلما في غضون سنوات قليلة بفضل تلك الرعاية من جزيرة نائية إلى مدينة تعج بالسكان والمشاريع الرائدة والأفكار الموعودة. وشخصياً قمتُ بزيارة الجزيرة مرتين، إحداها وفق أنفاس الذاكرة الطفولية في عام 1990م، عبرتُ الماء على متن عبّارة صغيرة، ونزلت في إحدى بيوت العائلات الطيبة، زيارة طفلة لعائلة تبتهج بإقامة عرس أحد أبنائها وإعداد ولائمهم في الفضاء المكاني العائم على الماء الواسع، وكانت الجزيرة والحق يقال أبهج وأكثر دعة مما تصورت، موعودة بشأن عظيم، يتنبأ لها الزائر بمستقبل عامر، وبعودة مجدها الأبدي الحضاري الذي وُلدت عليه قبل آلاف السنين.
ولكن ماذا حدث للجزيرة مع مطلع القرن الحادي والعشرين؟
في عام 2014م أعادني الزمن للعبور المائي مرة أخرى، لكن هذه المرة كان العبور سماوياً فوق البحر، تسطع من الأعالي أرخبيلات وجزر أبوظبي وتعوم بهذيان آسر يضج في النفس البشرية، ويسقيها شوقاً لمعرفة أصل المكان وعابريه الأوائل.
حينها توقعتُ الكثير والمختلف والمزيد، تخيلتُ الأجمل من المفاجآت العمرانية والثراء الأثري والحراك المسحي للتنقيبات، غير أني ما إن بدأت التجوال في الجزيرة حتى انتابتني أحاسيس العودة بالزمن، التراجع نحو ذاكرة 1990م.
لم يتغير شيء، بقي هتاف الماضي عالياً، ولا شك أن ذلك يمنح الروح دفئاً وسلاماً وعزلة ويضمن بقاء رائحة النوستالجيا طازجة، فلم تزحف على الجزيرة مظاهر التمدن بعد تسعينيات القرن العشرين، هذا دافئ جداً، غير أنه مؤلم ومخذل في ظل تصاعد وتيرة الحضارة في العاصمة!
أين ذهبت حماسة البناء والتشييد والتنقيب منذ زمن الاتحاد؟ لماذا هي المشاريع متوقفة زمنياً حتى الآن في هذه الجزيرة؟ أين ذهب الناس؟ لم تبدو دلما مهجورة ونائية ومظلمة هكذا؟

***
لقد غاب أناس كثيرون عن الجزيرة، غاب أحفاد البحر وأمرائه. وبرغم توفير التنقل الجوي إلا أن المنجزات توقفت عند عمر محدد، تهدّل أغلبها فهاجر أغلب الناس للعاصمة، القليل منهم من قرر التكيّف والبقاء، أما العائدون إليها فقد قرروا أن يتخذوها مصايف أو ملاذاً لهم في مواسم العطل الرسمية، فالسبيل إليها صار أسهل، غير أن اضمحلال المرافق العامة بات عاملاً كئيباً ومنفراً منها.

***
تهب على دلما العواصف الهائجة في الشتاءات المتعاقبة، وتهب الكتل الهوائية المدارية الصيفية، ويتعاقب النور مع الظلام، المد مع الجزر، وتسير دورة الحياة، فيسيل عرق الجزيرة وتصير مائلة للصفرة، يسقط جلد شواطئها، تهبط بيوتها وتتآكل جدرانها، القليل منها يظل صامداً تحت وطأة الوحشة والأمطار.
إلا الهضبة، تلك الهضبة الأزلية الصغيرة إنها الابنة التي باركتها البراكين، ومنحتها آلهة تلمون هبة الخلود، تلمع بالأحجار الكريمة وقت الظهيرة، ومن حولها يتوهج نطاق المزارع، وبقيت رائحة أشجار الزيتون إشارة استثنائية وميزة لها، ولا يهدأ عطرها السريّ في النبات، تحديداً وقت الأصيل، حين تبدو الرائحة كنص ميتافيزيقي ساحر، يستنطق طبقات الأرض، مؤكداً على ذاكرة المكان العريق.
يبقى سؤالي في الجزيرة وحيداً حائراً: هل سيظل وضع الجزيرة على ما هو، في حين أنها الإرث الآخر لدلمون وذاكرتها المتناسلة والعاصمة القديمة للمعرفة والضيافة في الخليج؟

أفريقيا هي الأصل
يذهب المؤرخ والباحث العراقي جواد علي، في فرضيته، إلى أن المهاجرين الأوائل انطلقوا من أفريقيا.. ركبوا قواربهم وعبروا أمواج مضيق باب المندب عند مدخل البحر الأحمر، لقد كان المضيق يوماً جسراً برياً يربط بين أفريقيا وبلاد العرب، ولم يكن ذاك العبور ممكناً سوى خلال فترات انخفاض مستويات البحر، ومن شأن المهاجرين الأوائل أن يكونوا قد تكيفوا بسهولة مع البيئة العربية التي يحتمل أن تكون مشابهة لبيئة شرق أفريقيا في ذلك الوقت، بيد أن الوضع الملائم لم يستمر إلى الأبد، حيث تسببت التقلبات المناخية في تقدم الصحراء، واختفاء الكثير من الأنهار والآبار والواحات/ ما أجبر السكان الأوائل على الرحيل أو النزوح إلى مناطق الهلال الخصيب الزاخر بالأنهار الكبرى.
لاقت هذه الفرضية قبولاً منقطع النظير من قبل العلماء، أمثال: سبرنجر/ موسكاتي/ ماير/ فيلبي.

دلما العذبة
دلما الماء، جزيرة الملاذ المحتمل لكلكامش الباحث عن نبتة التجدد والأبدية، إنها ابنة دلمون، اشتقت منها ذاكرة وزمناً ومياهاً حلوة، فقد كانت دلما مأهولة بالسكان منذ 5000 ق.م، وقد ساعد على استقرارهم وجود شبكة متكاملة من المياه العذبة، منها ما يعود إلى آلاف السنين، حيث تنتشر آبار المياه في أجزائها الشمالية والشرقية والجنوبية بين تلالها ووديانها، ومن اللافت وجود تلك الحفرة المليئة بالمياه العذبة، قريبة من إحدى قواعد جبال دلما.
ويذكر بأن جزيرة دلما تنتشر فيها 200 بئر، بعضها عذبة والأخرى مالحة.

هتاف الماضي العالي
في عام 2014م أعادني الزمن للعبور المائي مرة أخرى. حينها توقعتُ الكثير والمختلف، تخيلتُ الأجمل من المفاجآت العمرانية والثراء الأثري والحراك المسحي للتنقيبات. لم يتغير شيء، بقي هتاف الماضي عالياً، ولا شك أن ذلك يمنح الروح دفئاً وسلاماً وعزلة ويضمن بقاء رائحة النوستالجيا طازجة، فلم تزحف على الجزيرة مظاهر التمدن بعد تسعينيات القرن العشرين، هذا دافئ جداً، غير أنه مؤلم ومخذل في ظل تصاعد وتيرة الحضارة في العاصمة!
أين ذهبت حماسة البناء والتشييد والتنقيب منذ زمن الاتحاد؟ لماذا هي المشاريع متوقفة زمنياً حتى الآن في هذه الجزيرة؟ أين ذهب الناس؟ لم تبدو دلما مهجورة ونائية ومظلمة هكذا؟

أسرار مجهولة
متى وصل البشر إلى دلما؟
دلما العذبة، الرسولة الصامتة، متى فتحت بوابة الوجود وخرجت من البحر بأسرارها، وانطلقت بنجمها الوثّاب بالزرقة تتجول وراء النظر وتستجوب الملاحين والغاصة؟
من أي تسبيحة زمنية وُلِدت؟ وخلف أي النداءات كابدت نار الصبر وملوحة التاريخ؟ وأي تيار استشرافي ينتظر دلما؟ كم هو تعداد الكنوز المخبوءة في قاعها؟
لازلنا نجهل أسرار هذه الجزيرة.

...................................................
للمزيد عن جزيرة دلما: يرجى الاطلاع على:

Archive Editions، 1932-The Persian Gulf Pilot 1870، London، 1989
= كينج، جفري، المسح الأثري لجزر أبوظبي، ترايدنت برس المحدودة، لندن، 1998.
= دراسة د. فاطمة سهيل محمد المهيري بعنوان: (دلما الميناء الأول في الخليج لصيد اللؤلؤ وتجارته)، منشورة في كتاب: أبوظبي واللؤلؤ قصة لها تاريخ/ مركز الحصن للدراسات والبحوث.
= مواقع مستوطنات العصر الحجري الحديث في جزيرة دلما/ إليزابيث شيبرد بوبيسكو (نوريتش)/ بحوث المؤتمر الدولي الأول لآثار الإمارات العربية المتحدة.