صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

العنصريّة وأسلاكها المُلتَحِيَة

لم يكن من الضّروريّ أن ننتظر أفلاماً من طراز «يرقص مع الذّئاب» لكيفن كوستنر -Kevin Costner وكيفن راينولدز - Kevin Reynolds، أو «أستراليا» للمخرج الأستراليّ باز لورمان - Baz Luhrmann حتّى نقترب من بشاعة ما فعله الرّجل الأبيض بالهنود الحمر من سكّان أميركا الأوائل، أو ما صنعه بسكّان أستراليا الأصليّين، ونرى بعيون السّينما حقيقة العنصريّة وهي تمزّق البشر والثّقافات والأرض.

المتأمّل في شخصيّات الفيلمين لا بدّ أن يلحظ ذاك الشّبه العائليّ بين شخصيّتين رغم ما بينهما من فُرْقة واختلاف ثقافيّ عميق. فكلاهما ينتمي إلى جغرافيّة بعيدة، وتاريخ قريب، إلاّ أنّ آلة الحكم العنصريّة قد جعلتهما متشابهتي المصير.

«سينثيا».. الهندية البيضاء

بطل فيلم «يرقص مع الذّئاب» الملازم جون دونبار John Dunbar، أُصيب في «حرب الانفصال» الأميركيّة في رجله، وكادت تقطع لولا قيامه بعمل بطوليّ انتحاريّ شجّع رفاقه الشّماليّين على الهجوم النّهائيّ، والفوز بإعجاب قائده الّذي كلّف جرّاحه الخاصّ بمعالجته. ولمّا شُفي وأُكرم طلب، على سبيل المكافأة، أن يُنقل إلى مركز متقدّم في «الغرب المتوحّش». وهنالك، في عزلته، تمكّن من ترويض ذئب أطلق عليه اسم «جوارب»، فصار صديق عزلته، ورفيقه في جولاته الطّويلة الّتي أوصلته إلى مضارب قبيلة «سيو» Sioux من الهنود الحمر، والأهمّ من كلّ ذلك قادته الصّدفة إلى امرأة هنديّة بيضاء الأصل تدعى «ذات القبضة المرفوعة»، أنقذها من الموت وهي تحاول الانتحار بعد موت زوجها من قبيلة «سيو». ورغم عسر التّفاهم والتّخاطب فاز جون دونبار بثقة القبيلة، فشاركها في موسم صيد البيزون (الثّور الأميركي)، أنقذ فيه شابّا هنديّا يُدعى «يبتسم كثيرا» من موت محدق، فأكسبه ذلك احترام القبيلة وإعجابها. وذات يوم شُوهِد وهو يراقص ذئبه «جوارب»، فأطلق عليه «السيو» اسم «يرقص مع الذّئاب». ومع الأيّام تخلّى جون دونبار عن دور الجنديّ وأصبح فرداً من «السيو»، وشيئاً فشيئاً يقع في غرام «ذات القبضة المرفوعة» الّتي كانت النّاجية الوحيدة من مجزرة رهيبة أبادت فيها قبيلة الباونيس Pawnees كامل أفراد عائلتها. تنتهي مغامرة جون دونبار برحيله رفقة «ذات القبضة المرفوعة» حتّى يجنّب قبيلة السّيو خطر الجيش الأميركي الّذي اعتبره خائنا، وشرع في مطاردته.

واللاّفت للانتباه في هذا الفيلم أنّ شخصيّة «ذات القبضة المرفوعة» مستوحاة من شخصيّة حقيقيّة تاريخيّة تدعى «سينثيا آن باركر» Cynthia Ann Parker  أو «نادُوَاه» Naduah. وهي امرأة أميركيّة من أصول أوروبيّة، ولدت سنة 1827 بمقاطعة كراوفورد Crawford واستقرّت عائلتها على مشارف التّكساس Texas سنة 1830، وتوفّيت سنة 1870. اختطفتها قبيلة الكومانش من الهنود الحمر سنة 1836 وهي في سنّ التّاسعة بعد أن عذّبوا الكثير من أفراد عائلتها وقتلوا البعض منهم في مجزرة حصن باركر. وقد عاشت مع الكومانش طيلة أربعة وعشرين عاماً بعد أن تبنّاها قائد القبيلة بيتا نوكونا Peta Nocona، ثمّ تزوّجها وأنجبت له ثلاثة أطفال. حدث ذلك كلّه قبل أن تنقذها فرقة الحرّاس التّكساسيّة وهي في سنّ الرّابعة والثّلاثين. ويبدو أنّها أمضت السّنوات العشر الأخيرة من حياتها وهي تحاول أن تندمج في حياة التّكساسيّين المتحضّرة بعد مغامرة فرار فاشلة للعودة إلى أبنائها. كان ابنها كواناه باركر Quanah Parker آخر قائد كومانشيّ.

«نولّا» الأسترالي الخلاسيّ

إذا كانت «سينثيا آن باركر» إحدى الضّحايا البيض المتضرّرة من سياسة أميركا العنصريّة، فإنّنا نجد في فيلم «أستراليا» ضحيّة أخرى، تمثّلت في الصّبيّ «نولاّ»، ذاك البطل الصّغير ذو البشرة الدّاكنة، وهو يحاول طيلة مغامرته في مدينة البيض أن لا يقع في قبضة رجال الشّرطة. فقد كانوا في دوراتهم المباغتة يصطادون الأطفال الخلاسيّين، ويختطفونهم عنوة من عائلاتهم. ولكن من هو «نولاّ»؟ إنّه مجرّد فرد من جيل كامل من «الأجيال المسروقة» Stolen Generations، وهو تعبير شائع يشير إلى الأطفال «الأبوريجين»، أي أطفال أستراليا الأصليّين Australian Aborigines، وأطفال أهالي مضيق دو تورس Torres Strait natives من الّذين أخذتهم الحكومة الأستراليّة من عائلاتهم قسراً، واقتلعتهم من أقاربهم بالقوّة من 1869 إلى 1969. وكان أغلب هؤلاء الأطفال من الخلاسيّين، أي من أمّ أستراليّة «أبوريجيّة» وأب أبيض. وكانوا بعد تجميعهم يودعون في ملاجئ للأيتام أو مبيتات، أو في بعض البعثات المسيحيّة، أو عائلات من البيض. وقد اُعتُبِرت «الأجيال المسروقة»، عند الطّبقة السّياسيّة الأستراليّة اليوم، أحلك الصّفحات الّتي دوّنها تاريخ بلادهم. لقد كان «الأبوريجيّون» (وهي عبارة لاتينيّة، «ab origine»، تعني «منذ الأصل» أو «منذ البدء») سكّان أستراليا الأوائل، يعود حضورهم في القارّة منذ أربعين ألف سنة تقريباً، أي قبل قرون مديدة من مجيء الأوروبيّين في نهاية القرن الثّامن عشر. ومنذ ذلك التّاريخ لم يعد البلد كما كان، بشراً وحيواناً. فقد حمل معهم الأوروبيّون مساجينهم، وشرعوا في تجزئة السّكّان الأصليّين واستئصالهم بالأمراض والإبادات والتّشتيت. وقد ظلّت تلك السّياسة سارية المفعول إلى القرن العشرين، وقد عاضدتها بعض النّظريّات العلمويّة العرقيّة. ففي القرن التّاسع عشر أكّدت نظريّة «علم تحسين النّسل» eugénisme والنّظريّة الداروينيّة الاجتماعيّة، أنّ لقاء «عرق أرقى» أبيض بشعوب محتلّة من أعراق سفلى يُفضي حتما إلى انقراضها، بفضل عمليّات الانتقاء الطّبيعيّ. غير أنّ عدد الخلاسيّين المتصاعد في أستراليا قد أزعج الحكّام البيض، إذ صار يهدّد صفاء «العرق الأبيض» بعرقلته لعمليّة الانقراض الطّبيعيّ وفناء السّكّان الأصليّين. ونتيجة لذلك قرّرت الحكومة الأستراليّة سنة 1869 أخذ الأطفال الخلاسيّين بصفة رسميّة لدمجهم في المجتمع الأبيض. وعندما أصبحت سياسات أخذ الأطفال منظّمة منسجمة على الصّعيد الفيدرالي في الثّلاثينيّات من القرن العشرين كان الهدف الواضح من ذلك هو التّعجيل في إنجاز المشروع العنصريّ، وهو إبادة «الأبوريجيّين». فقد صرّح سيسيل كوك Cecil Cook المكلّف بحماية الأهالي في المقاطعة الأستراليّة الشماليّة بأنّ استيعاب الخلاسيّين البيولوجيّ في مجتمع البيض سيحلّ «المشكل الأبوريجانيّ». فالخواصّ المحلّيّة عند السّاكن الأصليّ الأستراليّ ستضمحلّ حتما مع الجيل الخامس. وحينها سيختفي تماما العرق الأسود بإغراق سلالة السّود في صلب السّلالة البيضاء. أمّا أوبار أوكتافيوس نيفيل Auber Octavius Neville المكلّف بحماية الأبوريجيّين من أستراليا الغربيّة فقد دعا من جهته في بعض ما كتب إلى إزاحة الأبوريجيّين من ذوي الدّم النّقيّ، والسّماح باختلاط الخلاسيّين بالبيض ليصبحوا شيئاً فشيئاً جزءاً لا يتجزّأ من العرق الأبيض. غير أنّ تقرير «لنعدهم إلى منازلهم» Bringing Them Home  الّذي كتب سنة 1997 قد ذكر بالتّفصيل تاريخ أطفال «الأجيال المسروقة»، وقد بلغ عددهم حوالي مائة ألف، وما تعرّضوا له من ممارسات مشينة. فقد كشف أنّ أطفال الأبوريجيّين المودعين في رعاية بعض المؤسّسات أو العائلات الّتي احتضنتهم كانوا يمنعون من الكلام بلغتهم، لا غاية من ذلك سوى جعلهم منبتّين عن أصولهم الثّقافيّة الأبوريجيّة. وكانوا في الآن نفسه يتلقّون تعليما ًمحدوداً كافياً ليجعل منهم عمّالًا أو خادمات.. ويذكر هذا التّقرير من جملة ما ذكر أنّ 17 بالمائة من الفتيات و8 في المائة من صبيان «الأجيال المسروقة» كانوا وكنّ من ضحايا الاغتصاب الجنسيّ، وقد جرى ذلك إمّا في قلب المؤسّسات الّتي استقبلتهم، أو في وسط العائلات الّتي احتضنتهم. وقد أثار هذا التّقرير جدلًا واسعاً في الأوساط السّياسيّة كان من أعظم نتائجه أن وعدت الحكومة الفيدراليّة الّتي كان يرأسها كيفن رود Kevin Rudd بتقديم اعتذارات رسميّة إلى «الأجيال المسروقة» باسم الدّولة الأستراليّة، في الحادي عشر من ديسمبر 2007. وقد نفّذت الحكومة وعدها يوم الثّالث عشر من فيفري سنة 2008.

العنصرية.. إرهاب

يحملنا مثال الهنود الحمر في أميركا و»الأجيال المسروقة» في أستراليا إلى إعادة التّفكير في التّعريف الشّائع الّذي لا يرى في العنصريّة سوى تفوّق عرق على عرق ثقافيّا وسياسيّا واقتصاديّا. فإذا اعتبرنا العنصريّة الأميركيّة الأوروبيّة رفضاً جذريّاً للآخر إمّا بإبادته أو بتهجينه ثمّ تحويله عرقيّاً ليكون أبيض أو كالأبيض، أمكننا أن نفهم سرّ اهتمام الحكومة الأميركيّة بحالة «سينثيا آن باركر» الأميركيّة الأوروبيّة البيضاء الّتي أصبحت امرأة من الهنود الحمر لسانا وثقافة، جسداً وروحاً. فالانتقال إلى العرق الأدنى هو ما يرفضه الإنسان الأبيض العنصريّ.

وهذا الرّفض يؤكّد أنّ فكرة الآخر تنهض في الفكر الغربي منذ أفلاطون على الإقصاء. فالآخر هو من كان من غير جوهر الإنسان الأبيض ومعدنه. بل إنّ فكرة الجوهر الخالص النّقيّ لا يمكن تصوّرها إلاّ بوجود هذا الآخر المقصيّ الّذي يشغل بعمل الإقصاء موضعاً يكون دائماً في الخارج. غير أنّ الأيديولوجيا العنصريّة في الأزمنة الحديثة قد تجاوزت هذا التّصوّر كثيراً، لأنّها لا تعترف بالآخر فحسب، وإنّما صارت لا تحتمل وجوده. فلم يعد الإنسان الأبيض يحتاج إلى آخر ليصارعه، إذ لا آخر له غير ذاته. فالعنصريّة تلغي الآخر وموضع الآخر معاً. ولقد بيّن فوكو في درسه «ينبغي الدّفاع عن المجتمع» الّذي ألقاه في الكولاج دو فرانس سنة 1976، أنّ هذه الأيديولوجيا بدأت في الظّهور لمّا انتقلت السّيادة la souveraineté من الصّنف الرّوماني المرتكز على الطّقوس وأساطير التّأسيس إلى صنف آخر ثوريّ حديث لا ينفصل «صراع الطّبقات» فيه عن «صراع الأعراق». فالعنصريّة بمعناها البيولوجيّ والطّبيّ ظهرت في النصف الأوّل من القرن التّاسع عشر بوصفها شكلاً مضادّا من التّاريخ ينافس، بمنظوره البيولوجيّ الطّبّيّ، شكلا آخر مضادّا من التّاريخ من صنف ثوريّ موضوعه صراع الطّبقات. ولقد عثر ماركس وإنجلز على أصول صراع الطّبقات هذا عند المؤرّخين الفرنسيّين لمّا تحدّثوا عن صراع الأعراق. غير أنّ فوكو يذهب أبعد من ذلك، فقد تجلّت العنصريّة عنده لمّا انقلبت الحرب التّاريخيّة، وما يرتبط بها من معارك وغزوات، وانتصارات وهزائم، ونهب وتخريب وأسر...، إلى حرب ذات طابع بيولوجيّ، فأصبحت صراعاً من أجل الحياة. في هذه الحرب الجديدة فقدت المعارك بعدها الحربيّ، فأضحت مجرّد تفرقة بين الأنواع، وانتخابا للأقوى، وصيانة للأعراق القادرة على التّكيّف والبقاء.. وقد أفضى هذا إلى ظهور ضرب من التّفكير يقوم على ضرورة استبدال المجتمع المتكوّن من عرقيْن بمجتمع مضادّ يكون بيولوجيّا من نوع واحد. ولكنّه سيظلّ رغم ذلك مهدّداً من عناصر غريبة عن الجسم الاجتماعي الطّاهر المطهّر، والجسم البيولوجيّ النّقيّ، يمكنها في كلّ وقت أن تنفذ إليه، فيتمخّض منها كائنات أخرى مشوّهة أو هجينة اختزلت جميعا في صورتين: «الغريب» أو «الجانح» بوصفهما نتاجاً فاسداً من هذا المجتمع. ومن الطّبيعيّ أن يتغيّر من جرّاء ذلك عمل الدّولة. فلم تظلّ وسيلة يستعملها عرق لإخضاع عرق آخر، وإنّما باتت أداة لحماية نقاوة العرق وتفوّقه وتماسكه. ففكرة صفاء العرق مع ما يرتبط بها من تفرّد بيولوجيّ، وما يقتضيه ذاك النّقاء من حماية الدّولة وتضامنها، قد عوّضت فكرة «صراع الأعراق» تعويضا كان من نتاجه العنصريّة.

وقد بيّن فوكو في الفقرات الأخيرة من درسه أنّ العنصريّة قد زرعت في آليات الدّولة بحيث أنّ عمل الدّولة الحديثة لا يمكن أن ينجز إلاّ بالعنصريّة بما هي وسيلة قد أحدثت قطيعة في صميم الحياة ذاتها بين من يحقّ له أن يحيا، ومن ينبغي له أن يموت، وأحدثت كذلك تجزئة في الحقل البيولوجيّ وذلك بتمييز الأعراق بعضها عن بعض، فقسّمتها إلى أعراق راقية وأخرى وضيعة. والمهمّ في العنصريّة أنّها ليست علاقة حربيّة أو عسكريّة، وإنّما هي علاقة بيولوجيّة. فهي آلية إذا ما استخدمت صار بمقتضاها العدوّ الّذي ينبغي القضاء عليه لا يمثّل الخصم بالمعنى السّياسيّ التّقليديّ، بل الخطر الخارجيّ والدّاخليّ الّذي يهدّد حياة السّكّان. فليس الأعداء من هذا المنظور منافسين سياسيّين بل أعداء بيولوجيّين. فصار بذلك موت العدوّ ضمانا لحصانتنا، وإبادة عرق فاسد شرطاً لبقاء العرق الأرقى. فالعنصريّة في تصوّر فوكو هي شرط ضروريّ يكون بفضله القتل مقبولًا في مجتمع معياريّ يسمح بقتل الأفراد وإماتة الآخرين.

أشواك العنصرية

وإن كنّا قد تعوّدنا أن نتصوّر فكرة «الصّراع من أجل البقاء» في صور حربيّة قتاليّة متفاوتة العنف والقسوة فإنّ تاريخ الأشياء يفاجئنا بصور أخرى لا تقلّ فظاعة وبشاعة. ففي كتاب أوليفيي رازاك Olivier Razac «تاريخ الأسلاك الشّائكة السّياسيّ» يفاجئنا هذا المؤرّخ الفيلسوف الّذي أخذ أفضل ما في فكر بورديو وفوكو بكتابة تاريخ سياسيّ للعنصريّة من زاوية استعمال الإنسان الأوروبيّ للأسلاك الشّائكة. بدأت قصّة هذه الأسلاك في أميركا، في ولاية إيلينوى Illinois  تحديداً مع المزارع جوزيف فاروال غليدن، Joseph Farwell Glidden  (1813-1906) الّذي خطرت له فكرة أن يضيف إلى أسلاك السّياج القديمة أشواكا حديديّة شبيهة بشعر اللّحية، فصارت «أسلاكا ملتحية»، وهي التّرجمة الحرفيّة للعبارة الفرنسيّة «fil de fer barbelé». لم يكن غليدن يعلم أنّ اختراعه، الّذي تحصّل على براءة اختراعه يوم 24 نوفمبر 1874، سيجعل منه واحداً من أغنى أغنياء الولايات المتّحدة الأميركيّة في مطلع القرن العشرين، بل لم يكن يعلم أنّ أسلاكه ستنتشر كالوباء في كافّة أصقاع المعمورة. فقد كان الهدف الأوّل من استعمال الأسلاك الشّائكة زراعيّا يرمي إلى احتواء قطعان البقر في حدود المزارع المترامية الأطراف في السّهول والهضاب الكبيرة. ولئن غيّرت هذه الأسلاك الجديدة طريقة الرّعي في منطقة تكساس فإنّها قسّمت في الآن نفسه أراضي الهنود الحمر في الغرب الأميركي وجزّأتها على نحو فرض عليهم قسراً حياة المنفى، وتفتّت ثقافتهم ثمّ اندثارها. ففي أقلّ من نصف قرن أصبحت أسلاك الحديد الشّائكة أهمّ أداة من أدوات الحكم السّياسيّ. فقد ساهم في تسييج أراضي الهنود بأمريكا، ومحاصرة تجمّعات سكنيّة كاملة في حرب التّحرير الكوبيّة (1895-1898)، وحماية جماعات البوير Boers، وهم من أوائل السّكّان البيض في أفريقيا الجنوبيّة، في حربهم الثّانية (1899-1902) ضدّ البريطانيّين.

ولكن في أكثر من قرن بقليل أصبحت الأسلاك الشّائكة رمز القمع الكونيّ، والطّغيان والعنف بعد أن تكثّف استعماله في حرب الخنادق في الفترة الواقعة بين 1914 و1918، وفي معتقلات التّجميع والإبادة النّازيّة أثناء الحرب العالميّة الثّانية، ثمّ انتشر في جميع معتقلات العالم بأسره طوال القرن العشرين. ولعلّه بسبب انتشارها العجيب أطلقت على تلك الأسلاك الشّائكة تسميات مختلفة كـ «حبل الشّيطان» و»شوكة الذّكرى» و»الحدود الملتهبة»، تعكس عباراتها البليغة ما حفّ بها من هلع رهيب، بسبب دورها الحاسم في ثلاث كوارث كبرى ارتبطت بتاريخنا الحديث هي: إبادة هنود أميركا الجماعيّة، ومجزرة 14 -18، أي الحرب العالميّة الأولى الّتي رغبت فيها القوى العظمى العالميّة لضمّ المزيد من المستعمرات وثروات جديدة، والقضاء نهائيّا على الأفكار الثّوريّة الّتي ما فتئت تكتسح كامل أوروبا، أمّا الكارثة الثّالثة فهي المعتقلات النّازيّة في الحرب العالميّة الثّانية. فهذه الكوارث الثّلاث تقيم وحدها الدّليل على أنّ أسلاك غليدن كانت من أعظم الاختراعات الّتي طبعت تاريخ القرن الماضي رغم ثمنها الزّهيد. إلاّ أنّ استعمالاتها المتنوّعة، وإن كانت في بداياتها زراعيّة، تفضح سرّا من أسرار الاقتصاد السّياسيّ كُتم طويلا، وهو أنّ ما يسري على القطعان من الماشية يسري كذلك على البشر. فعندما يتعلّق الأمر بصدّ البشر تستبدل أسلاك غليدن «الملتحية» بشفرات صغيرة حادّة ممتدّة على مسافات طويلة، بمقدورها أن تخز كلّ متطفّل دخيل وتجرحه في الآن نفسه جروحا بليغة، قاتلة في بعض الحالات.

في تلك الجروح تتجلّى روح العنصريّة ومنطقها السّياسي الجديد. فالأسلاك الشّائكة هي من أبدع اختراعاتها، وأعجوبتها الاقتصاديّة والتّكنولوجيّة. فهي حائط افتراضيّ مصنوع بأبخس الأثمان ولكنّه يوفّر أموالا طائلة كان يمكن أن تنفق في بناء حيطان من الحجارة. فالأسلاك الشّائكة تعوّض الحيطان العالية والأسوار القديمة، وتحوّلها تحويلا عجيبا بإفراغها من مادّتها، وإزالة سمكها، فلا تستبقي منها إلاّ الحدّ الأدنى من حجمها، لتصبح في النّهاية مجرّد سلك معدنيّ دقيق. فالأسلاك الشّائكة هي التّجسيم الأمثل للقانون الرّأسماليّ المتمثّل في إنتاج أقصى حدّ من الثّروات في وقت قياسي على نحو يوافق تماماً طريقة كلّ نظام عنصريّ رأسماليّ في مزاولة الحكم. فمن أهداف هذا النّظام هو إنفاق أقلّ ما يمكن من الطّاقة لإنتاج أقصى ما يمكن من الهيمنة والتّأثير في النّفوس. ولعلّ هذا ما يفسّر دوام استعمال الأسلاك الشّائكة. فرغم التّقدّم التّكنولوجيّ الهائل، والاستغناء اليوميّ عن الأشياء القديمة ظلّت أسلاك غيلدن محافظة على نجاعتها وديمومتها لأنّها تلبّي ما يطلب منها، كتقسيم الفضاء ورسم الخطوط الفاصلة على الأرض. أضف إلى كلّ ذلك خفّتها الّتي مكّنتها من الامتداد على مساحات هائلة، أمّا مرونتها فتستجيب لكلّ الحاجيات: كالحماية وغلق المنافذ وتقوية الحراسة. كلّ هذه المهمّات تنجز بسلك معدنيّ مغطّى بأشواك من حديد. فالتّفاوت بين بساطة الموضوع وأهميّة ما يحدثه من تأثيرات قويّة يدلّ على أنّ جودة أداة مستعملة في مزاولة الحكم لا تقاس بدقّتها التّقنيّة، وأنّ قوّتها لا تتحدّد بطاقتها، فأعظم أنواع العنف ليس بالضّرورة ما كان منها باهرا بفظاعته، وإنّما بقدرته على الانتشار. فخريطة استعمال الأسلاك الشّائكة اليوم تشمل الممتلكات الخاصّة، والسّجون وحدود هذا الكوكب السّاخنة. فالتّأريخ للأسلاك الشّائكة يمكّننا من كتابة تاريخ تنامي العنف في إدارة «البلاد» و»العباد»، وتغلغله في سياسة الأمكنة والسّكّان.

هذا التّاريخ قد شُرع فعلا في كتابته، ولكن من منظور المؤرّخ المحاكم. فكتابة التّاريخ لا تقتصر على سرد الوقائع وتفسيرها، ففي أكثر الأحيان تنقلب الكتابة التّاريخيّة إلى محاكمة يُترجم فيها المؤرّخ موقفه من الحقائق بفضح ما استتر منها واختفى. ولعلّه بذاك الصّنيع يشارك كتّاب الرّواية والشّعراء. فالرّوايات الّتي تقصّ عنصريّة الرّجل الأبيض كثيرة غزيرة، أمّا القصائد الّتي تفضح روح العنصريّة وتحاكمها فهي تحتاج إلى شاعر قد جرحته أسلاك العنصريّة الشّائكة. ومن أبلغ من محمود درويش تعبيراً في كتابة شهادة الشّهداء، من الإنسان الفلسطينيّ إلى الهنديّ الأحمر في رائعته «خطبة الهندي الأحمر، ما قبل الأخيرة، أمام الرّجل الأحمر» الّتي يقول فيها:

لَن يفْهم السّيّد الأَبيض الْكَلمات الْعتيقَة

هنا، في النُّفوسِ الطَّليقَة بين السّماء وبين الشَّجر...

فَمن حقِّ كولومبوس الْحرّ أَن يجِد الهِنْد في أيّ بحر،

ومن حقِّه أَن يسمّي أَشْباحنا فُلْفُلاً أَو هنودا،

وفي وسعه أَن يُكَسِّر بوصلَةَ الْبحرِ كَي لا يُصدِّقَ أَنّ الْبشَر

سواسيةٌ كالْهواء وكَالْماء خارِج مملَكَة الْخارِطَة!

وأَنَّهم يُولَدون كَما تُولَد النَّاس في برشَلونَة، لكنَّهم يعبدون

إِله الطَّبيعة في كُلِّ شَيء ... ولا يعبدون الذَّهب...

وكولومبوس الْحرّ يبحثُ عن لُغَة لَم يجِدها هنا،

وعن ذَهبٍ في جماجِمِ أجدادنا الطَّيبين وكان له

ما يرِيد من الْحي والميّت فينا. إِذاً

لِماذا يواصلُ حرب الإبادة، من قَبرِه، لِلنِّهاية؟»

(أحد عشر كوكبا، ص23)

بطلة واقعيّة

شخصيّة «ذات القبضة المرفوعة» في فيلم «يرقص مع الذئاب» مستوحاة من شخصيّة حقيقيّة تاريخيّة تدعى «سينثيا آن باركر» Cynthia Ann Parker أو «نادُوَاه» Naduah.

وهي امرأة أميركيّة من أصول أوروبيّة، ولدت سنة 1827 بمقاطعة كراوفورد Crawford واستقرّت عائلتها على مشارف تكساس Texas سنة 1830، وتوفّيت سنة 1870. اختطفتها قبيلة الكومانش من الهنود الحمر سنة 1836 وهي في سنّ التّاسعة، بعد أن عذّبوا الكثير من أفراد عائلتها وقتلوا البعض منهم في مجزرة حصن باركر. وقد عاشت مع الكومانش طيلة أربعة وعشرين عاما، بعد أن تبنّاها قائد القبيلة بيتا نوكونا Peta Nocona، ثمّ تزوّجها وأنجبت له ثلاثة أطفال. حدث ذلك كلّه قبل أن تنقذها فرقة الحرّاس التّكساسيّة، وهي في سنّ الرّابعة والثّلاثين. ويبدو أنّها أمضت السّنوات العشر الأخيرة من حياتها، وهي تحاول أن تندمج في حياة التّكساسيّين المتحضّرة بعد مغامرة فرار فاشلة للعودة إلى أبنائها. كان ابنها كواناه باركر Quanah Parker آخر قائد كومانشيّ.

إبادة منظّمة

أزعج عدد الخلاسيّين المتصاعد في أستراليا الحكّام البيض لأنه يهدّد صفاء «العرق الأبيض» بعرقلته لعمليّة الانقراض الطّبيعيّ وفناء السّكّان الأصليّين. ونتيجة لذلك قرّرت الحكومة الأستراليّة سنة 1869 أخذ الأطفال الخلاسيّين بصفة رسميّة لدمجهم في المجتمع الأبيض. وعندما أصبحت سياسات أخذ الأطفال منظّمة منسجمة على الصّعيد الفيدرالي في الثّلاثينيّات من القرن العشرين كان الهدف الواضح من ذلك هو التّعجيل في إنجاز المشروع العنصريّ، وهو إبادة «الأبوريجيّين».

حبل الشيطان

بسبب انتشارها العجيب أطلقت على تلك الأسلاك الشّائكة تسميات مختلفة كـ «حبل الشّيطان»، و«شوكة الذّكرى»، و«الحدود الملتهبة»، تعكس عباراتها البليغة ما حفّ بها من هلع رهيب، بسبب دورها الحاسم في ثلاث كوارث كبرى ارتبطت بتاريخنا الحديث هي: إبادة هنود أميركا الجماعيّة، ومجزرة 14 - 18، أي الحرب العالميّة الأولى الّتي رغبت فيها القوى العظمى العالميّة لضمّ المزيد من المستعمرات وثروات جديدة، والقضاء نهائيّا على الأفكار الثّوريّة الّتي ما فتئت تكتسح كامل أوروبا، أمّا الكارثة الثّالثة، فهي المعتقلات النّازيّة في الحرب العالميّة الثّانية.

فهذه الكوارث الثّلاث تقيم وحدها الدّليل على أنّ أسلاك غليدن كانت من أعظم الاختراعات الّتي طبعت تاريخ القرن الماضي رغم ثمنها الزّهيد.