صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

كلّ إصبعٍ كَسَروه أنبت عشرات الأصابع

من رسومات علي فرزات

من رسومات علي فرزات

مع اندلاع الثورة السورية، تعرّض الكاريكاتيريست السوري علي فرزات في 25 أغسطس 2011 للضرب المبرح من قبل مجهولين مُلثّمين، وذلك أثناء عودته من عمله وسط ساحة الأمويين في دمشق. وقد تمّ التركيز على وجهه وأصابعه في حادثة الاعتداء، في محاولة لإعاقته، وذلك رداً على رسوماته الجريئة التي تنتقد النظام السوري وبطشه. وتُعتبر رسومات فرزات الأكثر شعبية وتأثيراً في الشارع السوري، ويعتبرها البعض إحدى الشرارات الجريئة الأولى التي أسهمت في انطلاق الحراك السلمي للتظاهرات السورية في بداياته قبل أعوام عدّة. في 27 أكتوبر 2011، وبعد حادثة الاعتداء، اختاره البرلمان الأوروبي مع أربعة مواطنين عرب آخرين للفوز بجائزة «ساخاروف» لحرّية الفكر.
في كلمته، وهو يتسلّم «جائزة ساخارف» العالمية لحرّية الفكر، لم يتخلّ عن طبيعته – وهو المُلقّب بالرسّام المشاكس - حيث وبّخ العالم الذي يُطيل الصمت إزاء ما يجري في بلده من انتهاكات هائلة لحقوق الإنسان وحرّية التعبير. الفنان السوري علي فرزات، يُعدّ أحد أبرز التجارب الفنّية والثقافية في سوريا، وهو دَرَج عبر أسلوبه المُختصر واللّاذع، على انتقاد السياسات القمعية ضدّ الحرّيات، إلى أن تعرّض لحادثة اعتداءٍ وحشيّة، نفّذها أزلام النظام وشبيحته، وكادت الحادثة تودي بحياته. علي فرزات هو تاريخُ شعبٍ وضميرٌ مُنتفض ضدّ الظلم والتدليس، عاشت ريشته حرّة، وما زالت ترصدُ وتتطلّع إلى بلده وعموم العالم، بأملٍ وشجاعةٍ نادرة.

* للمرّة الأوّلى في تاريخ الانتفاضات السلمية يستبدل المنتفضون شعاراتهم برسومات كاريكاتيرية مع بداية الحراك في سوريا، إذ رفع المتظاهرون رسوماتك كتعبير أقصى عن الرغبة في التغيير والحرية. كيف تحوّلت هذه الرسوم العفوية إلى سلاحٍ جماهيريّ؟
**عندما يحمل الكاريكاتير بمضمونه هموم الناس وتطلّعاتهم، سيكون بالضرورة مؤثّراً وفاعلاً، وخصوصاً إذا كانت تجربة الرسّام في الحياة تحمل الأوجاع نفسها. لذلك من الطبيعي أن تنشأ علاقة قويّة بين اللوحة والمُتلقّي، وتدفعه بالتالي لأن يرفعها بكلتا يديه وكأنّها صرخة قويّة في وجه منتهكي إنسانيته، لأنّه يؤمن أن هذا الفنّ الساخر يتماهى مع الواقع المُضحك المُبكي، وله تأثيرٌ كبير في زلزلة عروش الظلم والظلام، لذلك نراه يُصيب هدفه في الصميم.

الحق يربح
* تكسير أصابع الفنان، في مقابل تكسير جدران الخوف، من الرابح ومن الخاسر في هذه المعادلة بريك؟
** إن خسارة الجسد إزاء انتصار فكرة حقّ لهو ربح مُطلق، لأنه وبطبيعة الحال، الجسد يفنى والفكرة تبقى خالدة، وهذا ما تعلّمناه عبر الزمن، والتاريخ شاهدٌ على خلود الحقّ وأنصاره.
* قلت مرّة إنك حينما ترسم بلا لغة، أي من دون إضافة تعليق مكتوب، إنما تعني التحدّث بلغة عالمية، أين تكمن قوّة الرسالة التي تحملها تخطيطات علي فرزات، هل هي في وضوح الفكرة أم في براعة التناول؟
** من أساسيات نجاح وارتقاء أيّ فنّ من الفنون هو ما يحمله من مضامين إنسانية تنبع من محلّيتها أولاً، لتخرج بعدها مُتجاوزة الحدود الجغرافية والمكانية إلى أنحاء العالم كلّه، وتخاطب البشرية بلغة يفهمها الجميع، وهي لغة عدم اللغة بالكتابة والتعليق، فتصل بذلك الفكرة ويفهمها الناس في كلّ مكان. أعتقد أن الكاريكاتير المتميّز بقوّة الفكرة والأسلوب الناقد والساخر، يجعله أقرب إلى قلوب الجماهير وعقولها، وأكثر تأثيراً من باقي الفنون.

تضامن
* حادثة الاعتداء عليك أثارت موجة كبيرة من التضامن العربي والعالمي، وكان من بين المتضامنين الشاعر الكبير عبد الرحمن الأبنودي الذي كتب لك قصيدة مطلعها «الشهداء سايبين ظلّهم على الأرض»، كيف تفاعلت مع هذا التضامن الذي تحوّل إلى صوت عالمي ضدّ القمع والديكتاتورية؟
** حين يتفاعل الجمهور الواسع في الوطن العربي والعالم مع أيّ لوحة أو عمل أدبي أو شعري، فذلك لأن العمل بطبيعته يمسّ مشاعرهم ويحملُ في طيّاته أملاً في التغيير، لذلك من الطبيعي أن تنشأ علاقة مؤثّرة بين المتلقي والكاريكاتير، وتوقظ اللوحة إبداعات الفنّانين والشعراء الغاضبين الذين يعانون الأوضاع نفسها، فيتداعون ويشكّلون صوتاً واحداً قوّياً، يهزّ أركان الفاسدين والقامعين. إنني وإذ أقدّر عالياً كل الذين تضامنوا معي من شعراء وفنانين وأدباء وأناس عاديين، أو بالأحرى كانوا أوفياء لقناعاتهم من خلال قضيتي، وهي قضية الحقّ ضدّ الباطل، فأنا أدين للأبنودي رحمه الله بما كتب، وسيبقى له مكانة في القلب والوجدان، كما ستبقى حروف قصيدته تلك شُعلةً وهّاجة وقبساً من نور يُضيء دروب الحقّ، وناراً تُشعل جنبات الباطل والظلم والظلام.

* منحك برلمان الاتحاد الأوروبي جائزة «ساخاروف» لحرّية الفكر، وهي جائزة دولية مرموقة، كيف استقبلت هذا التكريم؟
** جائزة «ساخاروف» هي عمدة الجوائز العربية والعالمية التي حصلتُ عليها، علماً أن الجوائز بالنسبة لي تعكس استفتاءً مُعلناً يُعبّر عن مدى الصدى الإيجابي لأعمالي محلّياً وعربياً وعالمياً، لكني لا زلت أؤمن أن الجائزة الأكبر هي محبّة الناس لي.

* عندما استعدت قدرتك على الرسم ما هو أول شيءٍ رسمته؟
** أذكر أنني عدت إلى الرسم بقوّة أكثر وبحماس أكبر، وأحب أن أقول إن كلّ إصبع من أصابعي كَسَرته مافيات الفساد والقمع والظلم بحوافِرها، نبتت منه عشراتُ الأصابعِ الأخرى.

* لقد أسهمت كفنّان في كسر الخوف لدى الشعب السوري، فهل انكسر خوفك أنت أيضاً؟
** من لا يمتلكُ الشجاعة في مواجهة أشرار العالم لا يستطيع منحها للآخرين.

فرزات «الهولندي»
دخل رسام الكاريكاتير السوري العالمي، علي فرزات مناهج التعليم الثانوي في هولندا، إذ خصّصت الحكومة الهولندية درساً مكتوباً باللغة الأمّ في مناهجها، يُلخّص سيرة الفنان الذي اشتهر برسوماته الكاريكاتيرية ضد الأسد. وقد تضمّن الدرس تفاصيل دقيقة ركّزت على حادثة الاعتداء، وذكرت أن رسام الكاريكاتير تمّ اختطافه من قِبل عناصر قوات الأسد والدفاع الوطني بالقرب من ساحة الأمويين وسط العاصمة دمشق سنة2011، حيث أقدموا على تكسير أصابعه لمنعه من الرسم مجدّداً، لأنه داعم للثورة السورية، وأُرفق الدرس بصورة «كاريكاتيرية» للفنان تُجسّد وضعه الصحي. وكان فرزات قد علّق على حادثة الاعتداء في أكثر من مناسبة، فأكّد أنّ معظم أعماله شكّلت هاجساً وأرقاً للأسد الذي حاول قتلي بهدف إسكاتي، علماً أن نظامه الغبي لا يعرف أن قتل الجسد لا يعني قتل الفكر، والدليل أن غالبية الفنّانين والشعراء والكُتّاب والصحفيين والمنظّمات الإنسانية التي ساندتني ووقفت معي بعد محاولة قتلي، أرسلوا رسوماتهم وقصائدهم وكتاباتهم وأفلامهم الداعمة لقضيتي عبر كلّ وسائط الإعلام المرئي والإلكتروني والورقي، وكأنهم يقولون إن كلّ واحد فينا يُمثّل فنّ علي فرزات وفكره.

الساخر
علي فرزات هو فنّان سوري ولد في حماه سنة 1951، وهو أحد أهمّ رواد الفن الساخر في العالم، وقد تمّ اختياره ضمن القائمة السنوية لمجلة «التايم» الأميركية كواحد من مئة شخصية هي الأكثر تأثيراً في العالم. نُشرت رسوماته في الصحف السورية والعربية والأجنبية، وفاز بعدد من الجوائز العربية والعالمية، وأقام معارض في أنحاء العالم كلّه.