صحيفة الاتحاد

الاقتصادي

بنك إنجلترا.. ثاني أقدم مصرف مركزي في العالم

حسونة الطيب (أبوظبي)

في أعقاب ثورة 1688 في المملكة المتحدة، ورغم ازدهار الأعمال التجارية، تميز المال العام بالضعف والنظام النقدي بالتشتت.وتعثرت جهود صاغة الذهب المصرفيين، لتطوير مبادئ أساسية للبنوك، كجهات لتوفير القروض واستقبال الإيداعات، بسبب الإدارة المالية الهشة.
وبدأت تتعالى الأصوات التي تنادي بضرورة إنشاء بنك وطني أو عام، لحشد موارد البلاد، أسوة بنموذج «ويسيل بنك أمستردام» الهولندي.
وبرزت العديد من المقترحات، أفضلها لرائد الأعمال وليام باترسون، الذي طالب الناس بضرورة الاستثمار في مشروع جديد.
وتمخض عن الاستجابة السريعة، جمع نحو 1.2 مليون جنيه أسترليني، التي كانت بمثابة رأس المال المبدئي لبنك إنجلترا.
وتم إقراض المبلغ للحكومة مقابل وثيقة ملكية، صدر بموجبها قرار إنشاء البنك في 27 يوليو 1694.

السيدة العجوز
ويعتبر البنك، ثاني أقدم بنك مركزي في العالم، بعد بنك السويد المركزي الذي تأسس في 1668 وثامن أقدم بنك في العالم.
وبنك إنجلترا، هو البنك المركزي في المملكة المتحدة، ويعرف أحيانًا بلقب «السيدة العجوز»، الذي يعتبر نموذجاً قامت عليه معظم البنوك المركزية حول العالم.
يقوم البنك بالحفاظ على ثبات الأسعار في البلاد، كما يقوم بدعم الخطط الاقتصادية من قبل حكومة الملكة لزيادة النمو الاقتصادي.
وتنقل البنك في عدة مواقع قبل الوصول إلى موقعه الحالي في شارع ثريدنيدل، حيث أخذ في التوسع على مدى القرن التاسع عشر ليستحوذ على مساحة قدرها 3 أفدنة.
وبدأ البنك بالنشاط المصرفي التقليدي بقبول الإيداعات وإصدار العملات الورقية، تحت إدارة جون هوبلون، أول محافظ في تاريخ بنك إنجلترا.
والبنك الوحيد المخول، بإصدار هذه الأوراق في إنجلترا وويلز، في حين تصدر 7 بنوك تجارية أخرى، الأوراق المالية لأسكتلندا وشمالي أيرلندا.
وتم استغلال نصف المبلغ الذي تم جمعه في بداية تأسيس البنك بنحو 1,2 مليون جنيه إسترليني، في بناء القوات البحرية.ونتيجة لذلك، بدأت الجهود الصناعية الضخمة التي تتطلبها البلاد، والتي تتضمن إنشاء أعمال للحديد لصناعة المسامير وتطوير الزراعة لتوفير متطلبات هذه القوات التي تضاعفت أربع مرات، في تعزيز الاقتصاد.
وساعد ذلك، في قيام بريطانيا العظمى حيث اتحدت رسمياً إنجلترا مع اسكتلندا في 1707.وساعدت قوة القوات البحرية، في أن تصبح بريطانيا القوة المهيمنة على نطاق العالم في نهاية القرن الثامن عشر وبداية التاسع عشر. وتتمثل أهداف البنك في حقلين رئيسين، الاستقرار المالي وشراء الأصول.
ويعتبر استقرار الأسعار والثقة في العملة، من أهم عوامل الاستقرار المالي. ويتم الوصول لاستقرار الأسعار، عبر التأكيد على أن زيادة الأسعار تتفق مع نسبة التضخم التي تستهدفها الحكومة.
ويهدف البنك للإيفاء بهذا الهدف من خلال تحديد سعر الفائدة الأساسي، الذي تقرره لجنة السياسة النقدية وعبر استراتيجية الاتصال.
وتتطلب المحافظة على الاستقرار المالي، الحماية ضد المهددات التي تستهدف النظام المالي والتي يكتشفها البنك من خلال الرقابة ومخابرات السوق.ويتم التعامل مع هذه التهديدات، عبر عمليات مالية وغيرها، سواء في الداخل أو الخارج.

 إدارة المؤسسات  
وعادة ما يتدخل البنك، لإدارة المؤسسات المالية الفاشلة والتأكيد على تقليل الآثار التي تنعكس جراء ذلك على اقتصاد البلاد.
ويعمل البنك بالتعاون مع مؤسسات مالية أخرى، في سبيل تأمين الاستقرار المالي والنقدي.
من ضمن هذه المؤسسات، «خزينة أتش أم»، الدائرة الحكومية المسؤولة عن السياسة الاقتصادية المالية للبلاد، بالإضافة لبنوك ومنظمات عالمية أخرى، بهدف تحسين النظام المالي العالمي.
كما تعمل لجنة السياسة المالية، على تحديد ومراقبة المخاطر التي تحدق بالنظام المالي والعمل على إزالتها أو تخفيفها عند الضرورة.
وبنك إنجلترا الذي يملك احتياطي يقدر بنحو 565 مليار جنيه إسترليني، هو الجهة المسؤولة عن القطاع المصرفي الحكومي وقطاع التأمين، حيث يدير النقد الأجنبي للبلاد واحتياطي الذهب.
بالإضافة للذهب المملوك لإنجلترا، يحتفظ البنك بذهب لنحو 30 دولة حول العالم، في قبو ضخم.

400 ألف سبيكة ذهبية
ويقدر حجم الذهب حتى أبريل من العام الماضي بنحو، 400 ألف سبيكة تزن 5134 طناً.
وحسب أسعار يوليو الماضي، بلغت أسعار هذا المخزون، نحو 142 مليار جنيه أسترليني. وللحفاظ على الاستقرار الاقتصادي، يسعى البنك للمزيد من الفهم للدور الموكل له، من خلال النشرات والمحاضرات والتقارير، وغيرها من السياسات الأخرى.وهدف البنك الثاني، هو شراء الأصول ذات الجودة العالية الممولة عن طريق الأوراق المالية التي تصدرها الخزينة، وكذلك إدارة السيولة النقدية، مما يساعد على تحسينها في أسواق الائتمان.

  الدين الوطني
وارتفع حجم الدين الوطني خلال القرن الثامن عشر، من 12 مليون جنيه إسترليني، إلى 850 مليوناً بنهاية حروب نابليون في 1815. ونتج عن ذلك، ضغوط على القطاع المالي للبلاد وشح في احتياطي الذهب لدى بنك إنجلترا، ما أدى لصدور قرار يحظر استبدال الذهب بالأوراق المالية.
وقام البنك خلال هذه الفترة، بإصدار أوراق مالية فئتي جنيه واثنين جنيه للمرة الأولى، للتعويض عن النقص في العملة المعدنية.
وفي القرن التاسع عشر، خوّل قانون 1844، بنك إنجلترا بإصدار العملات الورقية، ما وفر للبلاد عملة سليمة، رغم أنه وضع قيوداً أمام البنك لتطوير الأعمال التجارية.
وخلال تلك الفترة، عانى البنك من المنافسة الكبيرة التي أفرزتها عمليات الدمج بين عدد من البنوك التجارية.
وفي الفترة بين 1920 إلى 1944، بذل البنك جهوداً كبيرة، للابتعاد عن قطاع الصيرفة التجارية والتحول إلى بنك مركزي.

تأميم البنك
وفي العام 1946، تم تأميم البنك عبر حكومة العمال، ما يعني ملكيته للحكومة بدلاً من حاملي الأسهم.
وبموجب ذلك، أصبح للحكومة سلطة تعيين المحافظ والمديرين وإصدار الأوامر للبنك.
وبعد العام 1945، انتهج البنك سياسة الأهداف المتعددة، خاصة فيما يتعلق بسهولة الأموال وانخفاض نسبة أسعار الفائدة، لدعم الطلب الكلي.
وحاول البنك الإبقاء على سعر صرف ثابت والتصدي للتضخم وضعف الجنيه الأسترليني، من خلال الائتمان وضوابط الصرف. وفي 1977، أنشأ بنك إنجلترا، «بنك إنجلترا نومنيز المحدود»، وهو شركة خاصة محدودة مملوكة كلياً للبنك تخدم بمثابة، الوكيل أو المحامي، سواء بمفردها أو عبر شراكة، لأي شخص أو عدة أشخاص لشركة أو شراكة لحكومة أو منظمة.
واستثنى إدموند ديل، وزير الدولة للتجارة في ذلك الوقت، البنك من متطلبات الإفصاح، بموجب قانون الشركات للعام 1976.
ويخدم بنك نومنيز، كأداة للحكومات ورؤسائها للاستثمار في شركات المملكة المتحدة، شريطة الحصول على موافقة وزير الخارجية، فضلاً عن التعهد بعدم التأثير على شؤون البنك.
وفي 1981، تم إلغاء متطلب الاحتياطي، الذي يطالب البنوك بالاحتفاظ بأقل نسبة ثابتة من إيداعاتها كاحتياطي في بنك إنجلترا.
وأعلنت الحكومة في 1997، تحويل كامل المسؤولية التشغيلية للسياسة المالية، لبنك إنجلترا، لينضم إثر ذلك للبنوك المركزية العالمية المستقلة.

منظمة عامة مستقلة
وفي العام 1998، أصبح البنك منظمة عامة مستقلة، مملوكة كلياً لقسم الخزينة ممثلاً للحكومة، له الحرية في وضع السياسة النقدية.
واجتمعت لجنة السياسة النقدية للبنك، للمرة الأولى في يونيو 2011، كمنظم تحوطي كلي للإشراف على النظم التي يتبعها القطاع المالي في المملكة المتحدة.
وتشرف هذه اللجنة، على نحو 1700 بنك وجمعيات بناء واتحادات ائتمان ومؤسسات كبيرة للتأمين والاستثمار.
كما تقوم بوضع معايير وسياسات، تلتزم هذه المؤسسات والبنوك بتنفيذها. وفي حين تلعب العمليات المصرفية والدفعيات، دوراً كبيراً في سلاسة أداء الاقتصاد، يعمل بنك إنجلترا، كوكيل للتسويات بين البنوك والمؤسسات المالية الأخرى.
ويقدر متوسط حجم الدفعيات التي يقوم البنك بتسويتها بين البنوك، بنحو 500 مليار جنيه إسترليني يومياً، ما يساوي ثلث الناتج المحلي الإجمالي للمملكة المتحدة. ويؤكد البنك، على توفير السبل التي تضمن سلامة تحويل الأموال بين البنوك.
ويقلل ذلك من المخاطر لكافة الأشخاص المعنيين بهذه العمليات، ومن ثم الإسهام في الاستقرار المالي.
وأفرزت الأزمة المالية العالمية في 2008، الحاجة لطريقة جديدة في النظم المالية، ما استدعى تغييرات كبيرة في البنك، بدأ تطبيقها في الأول من أبريل 2013.
من ضمن هذه التغييرات، تعيين لجنة مستقلة للسياسة المالية وهيئة التنظيم التحوطية، بالإضافة لمسؤوليات أخرى شملت، الإشراف على الشركات التي توفر البنية التحتية للسوق المالية.

مبدأ الشفافية
وتعزي المملكة المتحدة، نجاحها في النسبة المستهدفة من التضخم، لتركيز البنك على مبدأ الشفافية، حيث ظل البنك رائداً في خلق طرق مبتكرة في مجال توصيل المعلومات للجمهور، خاصة عبر تقرير التضخم، النموذج الذي اتبعته العديد من البنوك المركزية الأخرى حول العالم.
ويجلس على رأس القوة العاملة في البنك المقدرة بنحو أربعة آلاف محافظ البنك الكندي مارك كارني، الذي تم تعيينه في 2013 كأول أجنبي في هذا المنصب لفترة خمس سنوات.
وفي سبتمبر من العام الماضي، أصدر البنك فئة خمسة جنيهات مصنوعة من مادة البوليمر التي يصعب تزويرها والأكثر قوة ومقاومة، حيث من المنتظر إصدار فئتي عشرة وعشرين جنيهاً خلال السنوات القليلة المقبلة.
وظل البنك حتى ذلك العام، يقدم خدمات مصرفية شخصية، كميزة عامة للموظفين.