صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

اختراق النسيج

دمشق القديمة.. اختراقات ماسونية متعددة (أرشيفية)

دمشق القديمة.. اختراقات ماسونية متعددة (أرشيفية)

نبيل سليمان

مع ظهور وتفاقم الخطر الصهيوني، بدأ الحديث يصخب فيما بين الصهيونية والماسونية، ابتداءً من تشييد هيكل سليمان على يد حيرام (ابن الأرملة) إلى ثلاثينيات القرن العشرين فصاعداً. هكذا كانت مكتبات دمشق تعرض جريدة «الأنوار» الماسونية عام 1922 أو مجلة «الإنسانية» الماسونية عام 1931، أو كتاب «الدستور والقانون العام للشرق الأعظم العربي السوري» عام 1947. وقد تردد في سورية ولبنان التفريق بين ماسونية مخترقة صهيونياً وأخرى غير مخترقة. لكن كل ذلك سيتقوض بالأمرين اللذين أصدرهما الحاكم العرفي في مطلع حكم حزب البعث لسورية (9/‏8/‏1965)، وألغى بهما الجمعية الماسونية وأندية الروتاري في سورية، مع تحذير الأعضاء بالمحاكمة العسكرية بتهمة الانتساب إلى جمعية سرية ذات طابع دولي، إذا ما قاموا بأي نشاط، فمتى كانت البداية؟

الأمير المؤسس
ثمة من يعود بالبداية الماسونية في سورية إلى حلب عام 1715، لكن المؤكد أن البداية قد جاءت في أعقاب إنقاذ الأمير عبد القادر الجزائري (1808-1813) قرابة خمسة عشر ألف مسيحي من سكان دمشق، في أعقاب الأحداث الطائفية الدامية التي اندلعت في بيروت وجبلها ودمشق عام 1860، فقد انهمرت التبريكات والاستقطابات الماسونية على الأمير إثر ذلك، وابتدأ الحديث عن ماسونية الأمير وتأسيسه للماسونية في سورية، فكتب جرجي زيدان في كتابه «تاريخ الماسونية العام» الصادر عام 1899 أن الماسونية دخلت دمشق بمساعي الأمير. ولئن كان ثمة من نسب إلى راشد باشا الوالي العثماني على سورية، إدخال الماسونية إليها، فليس أكثر من المصادر التي تنسب هذا الصنيع إلى الأمير الذي نفاه الفرنسيون إلى سورية عام 1856. وربما ينبغي أن يشار هنا إلى ماسونية الأمير محمد سعيد الجزائري، حفيد الأمير عبد القادر. وإلى ذلك ثمة من ينفي ماسونية الأمير عبد القادر، وآخرهم واسيني الأعرج الذي أوقف على الشطر ما قبل السوري من حياة الأمير روايته «كتاب الأمير - مسالك أبواب الحديد». فقد أعلن الكاتب أنه سيكتب جزءاً ثانياً من الرواية حول صوفية الأمير وعلاقته بالماسونية. وكرر ما يؤكده من نفي ماسونية الأمير، مشيراً إلى أن الماسونية لم تكن قد اخترقت بعد من قبل الصهيونية.

مؤسس إخواني ماسوني
ما إن عاد مصطفى السباعي (1915-1924) من مصر عام 1941، حتى اندفع في سعي حثيث إلى توحيد الجمعيات الإسلامية التي كان قد عرف بعضها قبل أن يسافر إلى مصر عام 1933 للدراسة في الأزهر. ومن هذه الجمعيات (دار الأرقم) و(شباب محمد). ويحدد محمد حرب فرزات في كتابه «الحياة الحزبية في سورية 1908-1955» سنة 1944 لانعقاد مؤتمر للجمعيات في حلب، وتوحدها باسم (جماعة الإخوان المسلمين)، وانتخاب لجنة مركزية عليا، لها مكتب دائم في دمشق برئاسة المراقب العام الشيخ مصطفى السباعي. ورغم أن كتاب فرزات دراسة جامعية، وقريب العهد من ظهور الإخوان المسلمين في سورية - صدر الكتاب عام 1955 - فإن المؤكد أن الجمعيات إياها قد توحدت عام 1942 في مؤتمر حضره من مصر القيادي الإخواني سعيد رمضان، أي بعد شهور من عودة السباعي من مصر، حيث كان على صلة بمؤسس جماعة الإخوان المسلمين حسن البنا، وفي عام 1945 اختير مصطفى السباعي مراقباً عاماً للجماعة في سورية، وبويع مدى الحياة، وهو في الثلاثين من عمره فهل كان هذا الشاب ماسونياً؟
ربما كان إدوار حشوة آخر من تحدثوا عن ماسونية مؤسس جماعة الإخوان المسلمين في سورية، وذلك في العام الماضي. وممن سبقوا إلى ذلك تمام البرازي ومازن العظم وعبد الحليم خوري، حيث ذُكر أن مصطفى السباعي مع عبد الرحمن الشهبندر وفارس الخوري كانوا أعضاء في محفل الشرق الماسوني. كما ذُكِر أن هؤلاء الثلاثة مع سليم مشاقة ومحمد كزبري كانوا أعضاء في المحفل الأسكتلندي الماسوني في دمشق. وقد أوردت مصادر شتى أن الماسونية جمعت بين مصطفى السباعي وحسني الزعيم قائد الانقلاب العسكري الأول في سورية عام 1949، على الرغم من أن الزعيم أوقف جريدة «المنار» التي أسسها السباعي لتكون جريدة الإخوان. كما جاء أن السباعي وأديب الشيشكلي قائد الانقلابات فالرئيس السوري (1950- 1954) قد جمعتهما الماسونية. وكان الشيشكلي قد أمر بحلّ جماعة الإخوان، فقررت القيادة الإخوانية، وعلى رأسها السباعي قبول الحل، وتشكيل تنظيم سري. لكن السباعي هاجم الشيشكلي عام 1951 فطرد من الجامعة التي كان قد دخلها أستاذاً عام 1950، وهرب إلى مصر، حيث التقى سيد قطب وحسن الهضيبي والبشير الإبراهيمي (الجزائري)، وتعاون مع اللجنة التوجيهية لجماعة الإخوان في مصر.
بخلاف السباعي لم يجر الحديث عن ماسونية جلّ أقرانه، مثل الشيخ محمد الحامد، الذي درس مع السباعي في مصر، واتصل بحسن البنا مثله. ومثلهما كان أيضاً عبد الرؤوف الأسطواني في تأسيس جماعة الإخوان. ومثلهم كان عمر صدقي الأميري الذي كان من مؤسسي رابطة دار الأرقم في حلب سنة 1936، ومن مؤسسي مركز شباب محمد في باريس سنة 1938، ثم صار نائب المراقب العام السباعي. وأخيراً وليس آخراً عبد الفتاح أبو غدة الذي صار المراقب العام بعد وفاة السباعي، واشتهر بتخطئته لسيد قطب عقائدياً في كتبه، وبوصف ابن باز له بالمنحرف الضال، فهل كان وقف الحديث على ماسونية السباعي، اكتفاءً بالمؤسس، لما توفّر له من كاريزمية وتفان، حتى بعدما أقعده المرض في سنواته الثماني الأخيرة؟
لقد عرف السباعي كسياسي وأستاذ جامعي وكاتب - من مؤلفاته الشهيرة: «اشتراكية الإسلام». أما اعتداله، فينادي قول من يقول - وأنا منهم - بأن تنظيمات الإسلام السياسي المعتدلة هي مفرخة للتطرف، ورحم الله نصر حامد أبو زيد. إن مصطفى السباعي المعتدل هو نفسه من قال باسم جماعة الإخوان: «إذا عمدنا إلى إسقاط شخص عملنا معه ما لا يستطيع الموساد أن يعمله معه».
فإذا كان الموساد يخطف ويعذب ويقتل و... فما الذي يعجز عنه، بينما الإخواني المعتدل قادر عليه؟ وما هو الإرهاب إن لم يكن ذلك؟ وهل يكون حديث الاعتدال الإخواني، والاعتدال في الإسلام السياسي، إذن، هو حديث الإرهاب؟

المفتي الماسوني؟
نفى أو تجاهل ماسونية مصطفى السباعي عدد من الكتّاب الذين بجّلته كتاباتهم مثل محمد بسام الأسطواني وحسني أدهم جرار وعدنان محمد زرزور ومحمد رمضان سعيد البوطي. ومن اللافت أنه من بين أقران مصطفى السباعي، ربما كان أحمد كفتارو (1912 ـ 2004) وحده من جرى الحديث عن ماسونيته. وكان كفتارو قد وقف ضد السباعي في الانتخابات البرلمانية عام 1957، وانحاز إلى مرشح حزب البعث العربي الاشتراكي رياض المالكي الذي ربح السباق. ومن طرائف تلك المعركة أن النساء تجمهرن في مركزهن الانتخابي الوحيد (التجهيز)، وأغلبهن من أنصار المالكي. وقد رأى شاب من المتسكعين شابة جميلة تحمل صورة المالكي مقابل شابة أجمل تحمل صورة السباعي فهتف: عاش مصطفى المالكي.
تولى أحمد كفتارو - الكردي - منصب مفتي سورية دهراً حتى توفي. وكان مقرباً جداً إلى حافظ الأسد، مما أورثه خصومة سياسية بالغة الحدة، وهو من أُثِيرَ عنه أنه لا يتدخل في السياسة، وأنه منصرف إلى الصوفية على الطريقة النقشبندية، وإلى النشاط التعليمي والدعوي. هكذا نعته خصومه بالمفتي الماسوني، وأكد الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ماسونية كفتارو. وقيل الكثير في العلاقة الجيدة بين كفتارو وبعض رجال الأعمال في دمشق، من المنتمين إلى التنظيمات الماسونية. وكما كان مع مصطفى السباعي، نفى أو تجاهل ماسونية كفتارو مَن بجّلته كتاباتهم.

«القبيسيات».. الماسونية الضائعة
في ثمانينيات القرن الماضي سطع نجم (القبيسيات) في دمشق، وهن جماعة أنشأتها تلميذة كفتارو أميرة القبيسي، وإليها نسبت. وكانت الفلسطينية أميرة جبريل - شقيقة أحمد جبريل قائد الجبهة الشعبية القيادة العامة - مع القبيسي في التأسيس.
تركز نشاط هذه الجماعة التي أسرع إليها لقب (الماسونية الضائعة) في الأعمال الخيرية وحفظ القرآن، عبر السيطرة على المدارس الخاصة وعلى الحلقات الدينية في بيوت النساء الثريات، وتوزيع الهبات ومساعدة الفقراء وترتيب الزيجات، والتوسط في تدبير الوظائف والمنح. وقد امتد نشاط القبيسيات من بعد إلى الأردن باسم (الطباعيات) نسبة إلى فادية طباع، وإلى لبنان باسم (السحريات) نسبة إلى سحر الحلبي، وإلى الكويت باسم (جمعية البيادر) التي أسستها أميرة جبريل.
في عام 2006 رفعت السلطة السورية الحظر عن نشاط القبيسيات اللواتي ناف عددهن على 170000 عضوة. وجاء رفع الحظر مقابل نقل حلقات التدريس والاجتماعات إلى المساجد، وتعرف القبيسيات بالزي الموحد، وبلون الحجاب الذي تحدده مرتبة العضوية، فالأبيض للجديدة، والكحلي الغامق للآنسة. ولقب الآنسة هو ما تنادى به المعلمة في سورية. ومن الكتب التي يجري تدريسها في هذا التنظيم كتاب «عقيدة التوحيد من الكتاب والسنة» تأليف سعاد ميبر، وكتاب «مختصر الجامع في السيرة النبوية» لسميرة زايد، وكتب أخرى من تأليف الحاجّات سعاد زرزور ونجاح الحلبي وكوكب عبيد، والمؤلفات جميعاً قبيسيات قياديات. وقد بلغ عدد المدارس التابعة للآنسة الكبيرة - وهذا لقب المؤسِّسة منيرة القبيسي الأستاذة في الفيزياء والكيمياء - أربعين مدرسة في دمشق سنة 2006. ومن اللافت أن الجماعة كانت تمنع العضوات من حضور دروس المفتي أحمد كفتارو، ولا تجيز الصلاة في مسجده. والجماعة تكفّر (الأحباش)، وهذا ما يفسّر تأليف الحبشي أسامة السيد لكتابه «دراسة شاملة عن التنظيم النسائي السوري الخطير لمنيرة قبيسي وأميرة جبريل وسحر الحلبي وفادية الطباع وسعاد ميبر». وإذا كان آخرون قد عدّوا القبيسيات تنظيماً نسائياً للإخوان المسلمين، فثمة أيضاً من كتب على مواقع التواصل أنهن «بنية ماسونية سلطوية نسائية سرية خاصة على درجة عالية جداً من القدرة والنفوذ» وربما كان القول إن هذه الجماعة تعيش أيامها الأخيرة متعلقاً بالزلزال الذي تعيشه سورية منذ ربيع 2011.

معاينة شخصية
لقد قيض لي أن أرى المحفل الماسوني في طرطوس عندما كنت طالباً في ثانوية طرطوس الرسمية، وأنا في الثالثة عشرة، وكان المحفل في بناء حجري مهيب قبالة (المنشية) وسط المدينة الصغيرة. وفي ذاكرتي أن رئيس المحفل كان الأستاذ سليم عرنوق مدير الثانوية، ثم غابت الماسونية عن ذاكرتي حتى تردد أن جمال عبد الناصر قد حرّمها، كما حرّمها حزب البعث الذي سيطر على سورية عام 1963، ولمّا يزل.
وإذا كان حضور الماسونية لم ينقطع بفعل اتهام الخصوم السياسيين بعضهم بعضاً بالماسونية، فقد تحريت أمرها ما أمكنني عندما كتبت رباعية «مدارات الشرق». وكان من ذلك انتساب عدد من شخصياتها إلى مختلف المحافل منذ مطلع القرن العشرين، واعتراض الشباب على ذلك منذ ثلاثينات القرن العشرين، بسبب ما أخذ يتأكد من الصلات الصهيونية الماسونية. ومن ناحية أخرى وأخيرة، ترافق كل ذلك في الجزء الثالث «التيجان» من الرباعية، مع عنف الكثير من الجمعيات الدينية التي توحدت في جماعة الإخوان المسلمين، وقادها مصطفى السباعي.