في اعتقادي أن أكبر مشكلة واجهت العالم العربي في كل أزمة كورونا كانت في منظومة التعليم التي كشفت مخرجاتُها عن قطاع واسع من الجهل في المعارف والعلوم، قابل بشدة لأن يكرس الدجل والخزعبلات، وهي قنابل موجهة بـ«ذكاء» أحياناً.قطاع واسع يستخدم فيسبوك وتويتر ليعيد اجترار الجهل والخرافات، ولا يستطيع أن يستوعب دورة حياة الفيروسات والبكتيريا والجراثيم.

وهذا محصلة عقود طويلة من التجهيل الذي قادته تيارات التطرف والعتمة وقد تغلغلت في المجتمعات العربية خلال السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي واستوطنت أجهزة التربية والتعليم وكانت تلك أولى نماذج الخلايا «اليقظة» (لا النائمة) المزروعة بخبث، وقد استطاعت أن تروض الأجيال بما يتناسب ومبادئها في تغييب الوعي المدني والحضاري بعد أن اختطفت «المقدس» ونسبته لأدبياتها البعيدة عن كل دين ومنطق، فعظمت تلك التيارات بهدوء وعلى مراحل «شيخ الدين» وقزمت أمامه كل عالم حقيقي في علم دنيوي ينفع الناس. خلال دراستي الجامعية الأولى، مطلع تسعينيات القرن الماضي، في جامعة حكومية أردنية، كان من المواد الإجبارية مادة «الثقافة الإسلامية».

وفي تلك المادة الجامعية لم يكن مسموحاً لنا النقاش إلا في حدود الكتاب الوحيد المفروض علينا من مدرّس المادة وبموافقة قسم دراسات الشريعة. الكتاب كان «معالم على الطريق» لقطب حركة الإخوان المسلمين المتطرف «سيد قطب»، الذي وضع في ذلك الكتاب الأسس المنهجية الأولى لمن بعده من متطرفين.

ومن مصادر كتاب قطب نفسه علوم ابن تيمية الذي أثارت فتاويه المتشددة كثيراً من الخلاف والنزاع، والذي وصفه أحد معاصريه هو الرحالة ابن بطوطة بقوله: «وكان بدمشق من كبار الفقهاء الحنابلة تقي الدين بن تيمية.. يتكلم في الفنون، إلا أن في عقله شيء».

واجه العرب خلال أزمة كورونا نواقص في أبجديات المعرفة والعلم، وقد كشفت الأزمة عن أزمات عربية كامنة منذ عقود طويلة، أي منذ أصبح ينظر إلى سيد قطب وأمثاله من المتطرفين على أنهم علماء، بينما بيل غيتس مثلاً –حسب الإشاعة- «رجل كافر» يريد السيطرة علينا بشرائح مزروعة تحت الجلد أو في دماغنا حسب المصادر «العلمية» الكثيرة في عالمنا العربي والمصفوفة على رفوف «الواتساب» وصفحات الفيسبوك! ويكفي أن تنشر فيديو لمتحدث «مفوه» أو إدراجاً على صيغة خبر يفيد بأن دراسة ما لمركز أبحاث ما كشف كل ما يرد في باقي الإدراج لينتشر ويصدقه الناس، وهذا أساسه انعدام المعرفة والوعي المعرفي.

ولأن رُب ضارة نافعة، كما قيل قديماً، فإن جائحة كورونا التي عشناها وقد عصفت بكوكبنا على غفلة من ذروة تناقضاتنا الإنسانية، ربما كان في مضرتها الهائلة منفعة في وقفة «إنسانية» مع الذات، جعلتنا نفكر في قيمة العلم والمعرفة لمواجهة ما نجهل. الجائحة الآن -كما يقول العلم- في نهاياتها التي قد تطول، لكنها كشفت لنا في طريق الآلام ذلك الخط الفاصل بين ما توهمناه معرفةً، وهو ضرب في الرمل والغيبيات، والعلوم التي لا غنى عنها لتستمر إنسانيتنا من جديد وقد انتفضت من ركام الجهل.

*كاتب أردني مقيم في بلجيكا