طيور الدخلة ونقّار الخشب الأميركي لا تتصدر عناوين الأخبار في العادة، ولكن في سبتمبر 2019 حدث ذلك بالضبط. أما المناسبة، فهي اختفاء ثلاثة مليارات، أي قرابة ثلث كل الطيور البالغة في أميركا الشمالية، في غضون بضعة عقود. والواقع أن هواة مراقبة الطيور والعلماء المتخصصين كانوا يعرفون منذ فترة طويلة أن أعداد الطيور آخذة في الانخفاض، لكن حجم الانخفاض كان صادماً ويبعث على الذهول حقاً. وفي كتاب «جناح ودعاء»، يوضح آندرس وبيفرلي جيلينهال الجهود التي يبذلها العلماءُ وعشّاقُ الطيور لوقف الخطر وإبطاء معدل الانقراض قبل فوات الأوان.
ولعل السؤال الذي يواجه المرء هذه الأيام عند القراءة عن أي واحدة من الأزمات البيئية العديدة التي تنهال علينا، هو سؤال قديم: ما العمل؟ وكذلك: هل سيُحدِث هذا الكتاب أو الفيلم أو الفيديو أو المدونة أو البودكاست فرقاً؟ الزوجان جيلينهال، وهما صحافيان منذ سنوات طويلة (ويعشقان الطيور)، يريدان أن يكون كتابهما بمثابة دقٍ لناقوس الخطر ونداءٍ للتعبئة. 
وعلى الرغم من الأخطار، إلا أن كتاب «جناح ودعاء» ليس مرثية. المؤلفان، وهما متقاعدان، يجوبان الولايات المتحدة من أقصاها إلى أقصاها على متن مركبتهما «إيرستريم» ويقومان بتسجيل وتدوين ملاحظاتهما ومشاهداتهما بهدوء وكفاءة. 
ما وجداه هو حربٌ ضد الانقراض، حربٌ تخوضها مجموعة متنوعة من العلماء والمنظمات غير الربحية والأفراد الهواة الذين يدركون أن الوتيرة البطيئة لجهود المحافظة على الحياة البرية لن تنجح حين التعامل مع أزمة يمكن أن تصبح غير قابلة لعكس مسارها في غضون أقل من عقد من الزمان.
ويخبرنا المؤلفان بأن الطيور هي «خادمة الطبيعة»، إذ تضطلع بمهام مثل التلقيح وتوزيع البذور والتخصيب وتشكيل التربة، كما أنها بمثابة «طيور الكناري في منجم فحم»، حتى نستخدم استعارة متداولة بكثرة. فإن ماتت، نموت. أو على الأقل، يموت العالَم كما نعرفه. وبالطبع، فإن العلماء لا يمكنهم التنبؤ بكيف يمكن أن يحدث ذلك بالضبط، لكن الخوف هو أن يكون للانخفاض في أعداد الطيور تأثيرٌ يؤدي إلى عدد أقل من النباتات والأشجار والزهور والخضراوات. 
وعلى سبيل المثال، فإن أكثر من 8000 صنف من النباتات والزهور تعتمد على الطيور الطنانة في التلقيح. وإذا كان إنقاذ أعضاء السلسلة الغذائية الثمينين هؤلاء مهماً، فإن أنصار البيئة يواجهون حقيقة صعبة، ألا وهي: فقدان الموطن البيئي للطيور. ذلك أنه عندما يقضم البشر المزيد والمزيد من الأراضي، فإنه لا يتبقى لهذه الحيوانات سوى القليل. أضف إلى ذلك حقيقة التغير المناخي التي تخيّم على المشهد دائماً: فالمَواطن البيئية نفسها باتت في حالة تغير مستمر. 

  •  نداء من أجل إنقاذ الطيور

ويرسم الكتاب بورتريهات لأشخاص يقاتلون على الخطوط الأمامية للمعركة: العلماء الذين يحاولون إنقاذ عصفور الجندب في فلوريدا، والمنظمة السرية لعشّاق نقار الخشب ذي المنقار العاجي، الذين أقاموا مخيماً في مستنقعات لويزيانا بحثاً عن مؤشرات على وجود هذا الطائر، وعلماء الأحياء في هاواي التي تُعد بمثابة مركز انقراض الطيور، والذين سيُطلقون الملايين من البعوض الذي يربى في المختبر، في محاولة للقضاء على البعوض الحامل للملاريا الذي قضى على طيور الجزيرة. 
ثم هناك جهود «ماذا لو فشل كل شيء آخر؟» من قبيل جمع 10 آلاف قارورة من «الاستزراع والحيوانات المنوية والأجنّة» من الطيور المهددة بالانقراض وحيوانات أخرى من خلال ما يُعرف بـ«حديقة الحيوانات المجمدة»، وهي قسم من تحالف الحياة البرية لحديقة حيوانات سان دييغو، الذي يقول عنه المؤلفان إنه يمكن أن يوفّر «بوليصة تأمين جيني» ضد الانقراض.
هذه الجهود العلمية مهمة للغاية، لكن المؤلفَين يؤكدان أن المهم بالقدر نفسه هي الجهود الرامية إلى التوعية وجعل الناس يفهمون ما يحدث ويهتمون به. وفي هذا السياق، يستحضر الكتاب نموذج ريتشل كارسون، «القديسة» والمدافعة العظيمة عن البيئة. لكن ما ينساه الناسُ بخصوص كتاب «الربيع الصامت» الذي ألّفته كارسون هو أنه كان تحذيراً ربما لم يكن ليلاحظه أحدٌ لو أنه لم ينشر أولاً على حلقات في مجلة «نيويوركر»، الأمر الذي أدى بدوره إلى قدر أكبر من الاهتمام به والدعاية له من قبل الناشر، ثم إلى جلسات استماع حظيت بتغطية إعلامية جيدة في الكونجرس. بعبارة أخرى، لقد كانت قصة جيدة، ولكنها أيضاً كانت قصةً ناجحةً في جعل نفسها تُسمع. ولا شك في أن سرد قصة مماثلة اليوم بشكل فعّال، في المشهد الإعلامي المزدحم، وجعلها تُسمع، والتصرف بناء عليها، يمثِّل تحدياً من نوع مختلف. 
وفي هذا الوقت من الأزمات البيئية الهائلة، يمكن تفهم شعور المرء بالإرهاق وبالعجز إزاء جسامة التحديات إلى حد الجمود. غير أنه يجب الإشادة بأولئك الذين لا يتراجعون وإنما يقاومون ويحاربون الظلام، وكذلك أولئك الذين يحكون قصتهم مثل الزوجين جيلينهال. 

محمد وقيف

الكتاب: جناح ودعاء.. السباق لإنقاذ طيورنا الآخذة في الاختفاء 
المؤلفان: آندرس جيلينهال وبيفرلي جيلينهال
الناشر: سايمون آند شوستر
تاريخ النشر: أبريل 2023


ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنسينج آند سيندكيشن»